كتاب الرأي

الخطيئة التي إخترعناها

✍️ريم منصور سلطان- كاتبة سعودية :

هناك عبارات تبدو في ظاهرها قوية، حاسمة، وربما حتى عقلانية، لكنها حين تتسلل إلى وعينا بهدوء، تترك أثرًا أخطر مما نظن ومن هذه العبارات: التعاطف غير إنساني.
خطورة هذه العبارة لا تكمن في غرابتها فحسب، ولكن في قدرتها على قلب المعنى وأن يصبح الشعور بالآخر تهمة، وأن تتحول محاولة فهم ألمه إلى ضعف، وأن يُنظر إلى من يتألم مع غيره وكأنه فقد شيئًا من صلابته الإنسانية، بينما الحقيقة أن الإنسان يبدأ إنسانيته من اللحظة التي يستطيع فيها أن يرى وجعًا لا يخصه، ومع ذلك يتوقف عنده.
التعاطف ليس أن أوافقك في كل شيء، ولا أن أبرر أخطاءك، ولا أن أتخلى عن عقلي أمام مشاعرك، التعاطف هو أن أمتلك القدرة على النظر إلى العالم من نافذة لا تخصني، وأن أدرك أن خلف كل سلوك قصة، وخلف كل قسوة جرحًا محتملًا، وخلف كل إنسان عالمًا كاملًا لا أراه.
ولهذا فإن الخلط بين التعاطف والتبرير من أخطر ما يمكن أن يحدث، فيمكنني أن أتعاطف مع إنسان أخطأ، دون أن أبرر خطأه
ويمكنني أن أرى جرحه، دون أن أسمح له بأن يحوّل جرحي إلى حق مكتسب.
التعاطف لا يلغي الحدود، إنه يجعلنا أكثر قدرة على وضعها بوعي، أما العبارة التي تقول إن التعاطف «غير إنساني»، فهي تحمل في داخلها مفارقة مؤلمة، لأن الإنسان حين يفقد قدرته على الإحساس بآلام الآخرين، لا يصبح أكثر قوة، إنما يصبح أكثر عزلة عن جوهره وعن إنسانيته.
لقد اعتدنا أن نربط القوة بالقسوة، وأن نعتقد أن الشخص الذي لا يتأثر هو الأكثر صلابة، لكن هل عدم التأثر قوة فعلًا؟ أم أنه أحيانًا شكل من أشكال العجز؟ فالقلب الذي لا يتألم لوجع أحد قد يكون محميًا، لكنه ليس بالضرورة قويًا، والعين التي لا ترى دمعة الآخر قد تكون جافة، لا متماسكة، والإنسان الذي ينجو دائمًا من آلام الآخرين قد ينجو من الحزن، لكنه قد يخسر شيئًا أكثر أهمية: القدرة على أن يكون إنسانًا بينهم.
المجتمعات لا تنهار فقط حين تنتشر فيها القسوة، ولكن حين تبدأ القسوة في إكتساب الشرعية الأخلاقية، حين نقول للطفل: «لا تتعاطف، سيستغلونك»، نعلّمه الخوف من إنسانيته، وحين نقول للبالغ: «لا تشعر بألم غيرك، فالعالم لا يرحم»، نزرع داخله فكرة أن النجاة لا تتحقق إلا بالتخلي عن الآخرين.
وحين يصبح التعاطف سذاجة، والرحمة ضعفًا، واللين عيبًا، نكون قد صنعنا إنسانًا يجيد حماية نفسه، لكنه لا يعرف كيف يحمي العالم من قسوته، ومع ذلك، فإن التعاطف بلا وعي قد يتحول هو الآخر إلى مشكلة، فليس مطلوبًا منا أن نحمل أحزان العالم على ظهورنا، أو أن نغرق في مشاعر الآخرين حتى نفقد أنفسنا، هناك فرق بين أن أشعر معك وأن أعيش مكانك، فالأول تعاطف، والثاني إستنزاف.
ولهذا نحتاج إلى تعاطف ناضج، تعاطف يرى الإنسان ولا يلغي المسؤولية، يفهم الألم ولا يبرر الأذى، يفتح الباب للفهم دون أن يهدم الحدود ،وربما لا يحتاج العالم إلى مزيد من الأشخاص الذين يحكمون على الآخرين بسرعة، بقدر ما يحتاج إلى أولئك الذين يستطيعون أن يتوقفوا لحظة قبل الحكم ويسألوا: ماذا لو كنت أجهل القصة كاملة؟ هذا السؤال وحده قد يغيّر كثيرًا من أحكامنا، فالتعاطف ليس أن ترى نفسك في الآخر، ولكن أن تعترف بأن الآخر ليس أنت، وأن له تجربة وذاكرة وخوفًا وأحلامًا لا تعرف عنها شيئًا ، وهنا تكمن إنسانية التعاطف الحقيقية، أن أختلف معك دون أن أكرهك، أن أرفض فعلك دون أن أنكر إنسانيتك.

لذلك، ربما ليست المشكلة في التعاطف،ولكن في الطريقة التي نمارسه بها، التعاطف بلا حدود قد يؤذينا، لكن غياب التعاطف قد يؤذي العالم بأكمله، ففي زمن يتسارع فيه الحكم، وتنتشر فيه الأحكام قبل القصص، ربما يصبح التعاطف فعل مقاومة، مقاومة لفكرة أن الإنسان مجرد موقف، أو خطأ، أو صورة عابرة.
فالإنسانية لا تُقاس بقدرتنا على ألا نشعر، وإنما بقدرتنا على أن نشعر ثم نختار كيف نتصرف، وإذا كان هناك شيء يستحق أن نخاف منه حقًا، فليس أن يكون الإنسان متعاطفًا أكثر مما ينبغي، بل أن يأتي يوم يصبح فيه التعاطف شيئًا نخجل من الاعتراف به.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى