كتاب الرأي

تتيسر

✍️منصور عبدالله الزهراني – كاتب سعودي :

تعجبني كثيراً كلمة “تتيسر” نسمعها كثيراً في أحاديثنا اليومية، في المجالس وبين الأصدقاء، وحتى في رسائل التواصل الاجتماعي حينما يمر أحدهم بظرف صعب أو ينتظر أمراً يشغله. كلمة بسيطة لكنها تحمل قدراً كبيراً من الطمأنينة.

قبل فترة كنت في أحد المستشفيات أنتظر صرف الأدوية من الصيدلية. كانت قاعة الانتظار مزدحمة، والوجوه تحمل ملامح التعب والانتظار، وكل شخص هناك يحمل قصة لا يعلمها إلا الله. جلس إلى جواري رجل تجاوز الستين من عمره، وبين يديه ملف يحتوي على بعض التقارير الطبية. رن هاتفه فأجاب بهدوء، ومن خلال حديثه فهمت أن من يتحدث معه يسأل عن وضع المراجعة. لم يطل الحديث، واكتفى بأن قال: “إلى الآن ما انتهينا.. لكن تتيسر بإذن الله”. أغلق الهاتف وعاد ينتظر دوره، وكأنه وضع شيئاً من حمله جانباً. أما أنا فبقيت أفكر في تلك الكلمة.

كيف تستطيع كلمة واحدة أن تمنح الإنسان هذا القدر من السكينة؟

ربما لأنها تختصر علاقة الإنسان بالحياة. فهو يسعى ويعمل ويحاول، ثم يدرك أن هناك أموراً لا يملكها مهما بذل من جهد.

نحن نقلق كثيراً على المستقبل. نحمل هم الرزق قبل موعده، ونفكر في احتمالات لم تقع، ونستهلك أيامنا في محاولة معرفة تفاصيل لم تأتِ بعد. ومع أن التخطيط والسعي جزء من مسؤوليتنا، إلا أن الإنسان يتعب حين يحاول أن يضمن كل شيء.

كم من أمر أقلقنا طويلاً ثم مرّ بسلام، وكم من باب انتظرنا فتحه ثم اكتشفنا لاحقاً أن تأخره كان خيراً لنا. فالحياة لا تكشف دائماً حكمتها في لحظتها الأولى.

الثقة في تدبير الله تمنح الإنسان هدوءاً وهو يمضي في طريقه. يعمل بما يستطيع، ويأخذ بالأسباب، ثم يترك ما لا يستطيع لمن بيده الأمر كله.

لهذا أحب كلمة “تتيسر” لأنها تذكرنا بأننا لسنا مطالبين بمعرفة كل الإجابات قبل أن نكمل المسير. يكفينا أن نفعل ما نستطيع، وأن نطمئن إلى أن الله يعلم ما نجهله ويرى ما لا نراه.

اسعَ، وخذ بالأسباب، وافعل ما تستطيع…

ثم قل بهدوء:
“تتيسر بإذن الله”.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى