كتاب الرأي

اقتصاد الإنسان سلاسل إمداد نفسي وجودة الحياة

✍️أ. د. محمد شايع الشايع – كاتب وإكاديمي بجامعة الملك سعود :

خلق الله الإنسان ليكون خليفة في الأرض، وجعل عمارتها مسؤولية تقوم على العلم، والعمل، والقيم، وحسن التعامل مع الخلق. ومنذ فجر الحضارات، ظل الإنسان محور التنمية، وصانع النظريات، وباني الأمم، ومصدر الإبداع في مختلف العلوم النفسية، والطبية، والاجتماعية، والاقتصادية. لذلك فإن أي نهضة تبدأ ببناء الإنسان، وأي تراجع يبدأ بإهمال الإنسان.

وحين تتحدث الدول عن سلاسل الإمداد، فإنها تتحدث عن أمنها، واستقرارها، واستدامة نهضتها. فهي تبني مخزونًا استراتيجيًا من الغذاء، والدواء، والطاقة، لأنها تدرك أن الأزمات لا تُدار عند وقوعها، بل تُستعد لها قبل حدوثها. والإنسان، هو الآخر، يمتلك سلاسل إمداد لا تقل أهمية، لكنها لا تُخزن في المستودعات، بل في العقل، والقلب، والروح، والعلاقات الإنسانية. وكلما كان هذا المخزون أكثر ثراءً واتزانًا، ازدادت قدرته على مواجهة الحياة، وارتفعت جودة حياته.

وتخبرنا صفحات التاريخ أن الأمم لم تبلغ الريادة بكثرة ثرواتها، ولا بضخامة عمرانها، وإنما ببناء الإنسان. فقد ازدهرت الحضارات حين أصبح العلم قيمة، والثقافة أسلوب حياة، والقراءة عادة، والبحث منهجًا، والأخلاق أساسًا للتعامل، والإنسان غايةً للتنمية ووسيلتها. وعندما تراجع العلم، وضعفت الثقافة، وسقطت القيم، بدأ الضعف يتسلل إلى تلك الحضارات مهما امتلكت من ثروات. فالحضارة ليست أبراجًا شاهقة، بل عقولًا ناضجة، ونفوسًا راقية، وأخلاقًا راسخة.

ومن هنا يبدأ اقتصاد الإنسان، فهو يمتلك رأس مال لا يقل قيمة عن رأس المال المالي، يتمثل في إيمانه، وعلمه، وثقافته، وخلقه، وصحته، وعلاقاته، ووقته. وهذه الأرصدة لا تُمنح دفعة واحدة، بل تنمو بالاستثمار اليومي، كما تنمو الثروات بحسن الإدارة واستمرار البناء.

فالعلم هو المخزون الاستراتيجي للعقل، والقراءة استثمار طويل الأجل، والاستماع الواعي مدرسة لا تغلق أبوابها، وحضور الندوات، والمؤتمرات، ومجالسة أهل العلم والخبرة، وتطوير مهارات الاتصال، والحوار، والإنصات، والتفكير، كلها استثمارات تراكمية تبني احتياطيًا معرفيًا يعود إليه الإنسان عند اتخاذ القرار، وحل المشكلات، والتعامل مع المتغيرات.

أما الإمداد الروحي، فهو مصدر الثبات والسكينة. فتلاوة القرآن الكريم، وتدبر آياته، ومدارسة السنة النبوية، والمحافظة على الفرائض، والإكثار من الذكر والدعاء، ليست عبادات تؤدى فحسب، بل هي غذاء للقلب، ونور للعقل، وتهذيب للنفس، وتصحيح للمسار. ولذلك فإن جودة العبادة تنعكس مباشرة على جودة الأخلاق، لأن العبادة الحقة تصنع الضمير الحي، واللسان الصادق، والقلب الرحيم.

ومن أعظم صور رأس المال الإنساني الأخلاق. فالصدق، والأمانة، والعدل، والتواضع، والرحمة، والعفو، والإحسان، ليست صفات تكميلية، بل أصول ثابتة ترتفع بها قيمة الإنسان في الدنيا والآخرة. وفي المقابل، فإن الظلم، والكذب، والغيبة، والنميمة، وسوء الظن، والتكبر، والاعتداء على حقوق الناس، ليست أخطاء عابرة، بل خسائر تستنزف الرصيد الأخلاقي حتى يبلغ الإنسان مرحلة الإفلاس، التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، حين يأتي المرء بأعمال صالحة، ثم يبددها بظلمه للناس.

وتبقى العلاقات الإنسانية الميزان الحقيقي لنجاح الإنسان. فهي ليست عددًا من المعارف، وإنما جودة في التواصل، وصدقًا في المودة، ووفاءً في المواقف، وثباتًا عند الشدائد. ويمكن تشبيهها بالحساب البنكي، فكل كلمة طيبة إيداع، وكل معروف رصيد، وكل عفو استثمار، وكل إصلاح بين الناس أرباح متنامية، بينما تمثل الخصومات، وقطيعة الرحم، والإساءة، والتشاحن، والتقليل من الآخرين، سحوبات متكررة قد تترك الإنسان فقيرًا في محبة الناس، وإن كان غنيًا في ماله.

ولا يقاس الإنسان بعدد من يعرفهم، وإنما بعدد القلوب التي اطمأنت إليه، والأنفس التي ارتاحت إليه، والأيدي التي تمتد لمساندته، والدعوات التي تسبقه في غيابه. فالثقة، والاحترام، والمحبة، لا تُشترى، وإنما تُبنى عبر سنوات من حسن التعامل، والوفاء، والإخلاص، وصناعة الأثر الطيب.

ومن هنا، فإن جودة الحياة ليست وفرة في المال، ولا اتساعًا في المساكن، ولا كثرة في المقتنيات، وإنما هي توازن بين العقل، والروح، والأخلاق، والعلاقات. إنها أن يزداد الإنسان علمًا كل يوم، ويزداد قربًا من ربه كل يوم، ويزداد نفعًا للناس كل يوم، ويغلق باب خصومة، ويفتح باب مودة، ويضيف إلى رصيده علمًا، أو خلقًا، أو عملًا صالحًا.

ولو أن الإنسان راجع نفسه كما يراجع التاجر حساباته، لاكتشف أن لديه أربعة حسابات لا يجوز أن تفلس، حساب الإيمان، ويغذيه القرآن، والسنة، والعبادة، والذكر، والدعاء، وحساب المعرفة، ويغذيه التعلم، والقراءة، والاستماع، ومجالسة أهل العلم، واكتساب المهارات، وحساب الأخلاق، ويغذيه الصدق، والأمانة، والعدل، والعفو، والإحسان، وحساب العلاقات الإنسانية، ويغذيه الوفاء، وصلة الرحم، وبر الوالدين، والإصلاح بين الناس، وحفظ الود، والتسامح.

إن أعظم استثمار في الحياة ليس ما يُودع في المصارف، بل ما يُودع في النفس، والعقل، والقلوب. فالإيمان يورث السكينة، والعلم يصنع الحكمة، والأخلاق تحفظ الكرامة، والعلاقات الصادقة تبني مجتمعًا متماسكًا، وحضارة قادرة على الاستمرار.

وفي النهاية، ليست ثروة الإنسان فيما يملكه، بل فيما يبقى منه. يبقى علمٌ ينتفع به، وخلقٌ يُقتدى به، وعلاقةٌ يذكره أصحابها بالخير، وأثرٌ يتركه في مجتمعه، وعملٌ صالحٌ يجده عند ربه. تلك هي الأرصدة التي لا تنقصها الأيام، ولا تهزها الأزمات، ولا تنتهي بانتهاء العمر، بل هي الثروة الحقيقية التي تصنع جودة الحياة في الدنيا، وحسن الجزاء في الآخرة.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى