المدينة المنورة قصة وطن يكتبها سلمان بن سلطان برؤيةٍ تستثمر المقومات

✍️أ.د. محمد شايع الشايع -كاتب وأكاديمي بجامعة الملك سعود :
يعيش وطننا بنهضة تنموية نوعية، وكل منطقة من مناطق الوطن الـ١٣ لها ميزة نسبية حباها الله بها، وليست كل المناطق تملك مقومات نجاح، وإن امتلكتها فليس كل قيادة تحسن ادارة استثمارها. أما المدينة المنورة، فقد اجتمع لها ما لم يجتمع لغيرها، فهي مهبط الرسالة، ومهاجر خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وموطن المسجد النبوي الشريف، وملتقى ملايين المسلمين، ومدينة العلم، وأرض النخيل، وذاكرة التاريخ، وثراء الطبيعة، ومحط اهتمام ولاة الأمر. وكان التحدي الحقيقي ليس في امتلاك هذه المقومات، بل في حسن إدارتها وتحويلها إلى مشروع تنموي متكامل يصنع الإنسان، ويعزز الاقتصاد، ويحفظ الهوية، ويرسم المستقبل.
وفي هذا الإطار، تقود إمارة منطقة المدينة المنورة بقيادة الحاكم الاداري لها صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان بن عبدالعزيز آل سعود مرحلةً جديدة من العمل التنموي، تتسم بتكامل الرؤية وسرعة الإنجاز. فقد صقلت شخصيته برجل الفكر والتنوير والقيادة العسكرية سلطان الخير رحمه الله، ومن ثم المؤسسة العسكرية التي بنت شخصية القائد فيه، وأكسبته التجربة الدبلوماسية في وزارة الخارجية قدرةً على بناء الشراكات وقراءة المتغيرات، بينما عززت مسؤولياته في الأمن الوطني والدفاع التفكير الاستراتيجي وإدارة المبادرات الكبرى. وانعكست هذه الخبرات على الحراك الذي تشهده منطقة المدينة المنورة، من خلال ربط القطاعات الدينية والثقافية والعلمية والزراعية والبيئية والسياحية في منظومة واحدة، تنسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
ولأن التنمية عملٌ تراكمي، فقد جاءت هذه المرحلة امتدادًا لجهود مؤسسية راسخة أسهم في ترسيخها خريج مدرسة خادم الحرمين الشريفين صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز خلال فترة إمارته للمنطقة، لتواصل القيادة الحالية البناء على تلك المنجزات، وتسريع وتيرة الإنجاز، بما يعكس النهج السعودي في استدامة التنمية وتعزيز العمل المؤسسي.
ولم يعد الحراك في المدينة المنورة مقتصرًا على الخدمات، بل أصبح مشروعًا حضاريًا متكاملًا، يستثمر الإرث الإسلامي، ومواقع السيرة النبوية، والفعاليات الثقافية، والبرامج المعرفية، ليقدم المدينة للعالم بوصفها عاصمةً للإيمان، ومنارةً للثقافة، ووجهةً للتنمية وجودة الحياة.
وتتجلى قوة هذا النموذج في مكانتها العلمية؛ ففيها جامعة تحمل اسم عزيز على رسولنا “طيبة” كإسمًا من أسماء المدينة المباركة، وتؤدي دورًا محوريًا في إعداد الكفاءات والبحث العلمي وخدمة المجتمع، إلى جانب الجامعة الإسلامية التي مثلت لعقود منارةً عالمية لنشر الوسطية والاعتدال، وأسهمت في إعداد آلاف الطلاب من مختلف دول العالم، فعادوا سفراء للمملكة ورسالتها الإسلامية. وبين هاتين الجامعتين يتعزز اقتصاد المعرفة، وتتسع دائرة الحراك الثقافي، ويتكامل العلم مع رسالة المدينة الخالدة.
وتظل المدينة المنورة متفردة بميزة لا ينافسها فيها مكان؛ فهي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها انطلقت رسالة الإسلام إلى العالم، ومنها تستمد المملكة شرف خدمة المسجد النبوي الشريف وضيوفه. وهذه المكانة ليست إرثًا تاريخيًا فحسب، بل ركيزة حضارية وإنسانية تمنح المدينة قوةً ناعمة، وتجعلها من أكثر مدن العالم تأثيرًا في وجدان المسلمين.
ومن أعظم مزاياها النسبية تمر العجوة، الذي تجاوز كونه محصولًا زراعيًا ليصبح رمزًا دينيًا واقتصاديًا ارتبط بالسنة النبوية، واستقر في ذاكرة المسلمين عبر القرون. وأصبحت العجوة سفيرًا يحمل اسم المدينة المنورة إلى العالم، بما تمثله من قيمة روحية وجودة زراعية، وهي اليوم فرصة واعدة لتعزيز الاستثمار الزراعي، وتطوير الصناعات الغذائية، ودعم السياحة الزراعية، وبناء علامة تجارية عالمية تعكس جودة المنتج وبركة المكان.
ولا تقف مقومات المنطقة عند المدينة المنورة وحدها، بل تمتد إلى محافظاتها التي تشكل منظومة متكاملة من الفرص. فالعُلا أصبحت وجهةً عالمية تستحضر حضارات الإنسان، ونموذجًا رائدًا في الاستثمار الثقافي والسياحي، فيما تبقى خيبر شاهدًا على صفحات مشرقة من التاريخ الإسلامي، بما تمتلكه من إرث حضاري ومقومات زراعية وسياحية واعدة. كما تمثل ينبع بثروتها البحرية وساحلها الممتد، وبقية المحافظات، امتدادًا لمنظومة تنموية متنوعة تجمع بين الدين، والتاريخ، والثقافة، والطبيعة، والاقتصاد.
وفي هذا السياق، تأتي المشروعات النوعية لتترجم هذه الرؤية إلى واقع ملموس. ويعد مشروع تلفريك جبل أُحد، الذي دخل مرحلة التنفيذ، نموذجًا للاستثمار الذكي في المواقع التاريخية، من خلال تطوير تجربة الزائر، وتعزيز السياحة، والارتقاء بجودة الحياة، مع المحافظة على القيمة الدينية والتاريخية للمكان. وفي الوقت ذاته، تتسارع الجهود نحو تنمية المقومات البيئية، عبر الاهتمام بالمحميات الطبيعية البرية والبحرية القائمة والمقترحة في ينبع وخيبر وجبل رضوى، بما تضمه من تنوع فريد في النظم البيئية، يجمع بين السواحل والبيئات البحرية، والجبال، والسهول، والحرات البركانية، والأودية، والغطاء النباتي الطبيعي، وفي مقدمته أشجار الأكاسيا. وتمثل هذه الثروة البيئية رصيدًا وطنيًا يعزز السياحة البيئية، ويحافظ على التنوع الحيوي، ويفتح آفاقًا جديدة للاستثمار المستدام.
لقد أحسنت المدينة المنورة قراءة مقوماتها؛ فلم تنظر إلى الدين باعتباره إرثًا يُزار، ولا إلى التاريخ باعتباره ذاكرةً تُروى، ولا إلى الزراعة باعتبارها نشاطًا اقتصاديًا فحسب، ولا إلى البيئة بوصفها موردًا طبيعيًا فقط، بل حولت هذه العناصر إلى منظومة تنموية متكاملة، أصبح فيها الدين قوةً ناعمة، والتاريخ قيمةً حضارية، والعلم ركيزةً للمعرفة، والزراعة اقتصادًا واعدًا، والبيئة استثمارًا في الاستدامة، والسياحة جسرًا للتواصل الحضاري.
واليوم، ومع ما تحظى به منطقة المدينة المنورة من اهتمام ودعم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ورؤية طموحة يقودها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، تمضي المنطقة بثقة نحو مستقبل أكثر ازدهارًا، لتؤكد أن التنمية لا تُقاس بكثرة المشروعات فحسب، بل بحسن استثمار المقومات، وبناء الإنسان، وتعظيم أثر المكان.
إن المدينة المنورة اليوم لا تكتفي بأن تكون مهبطًا للوحي، ولا حافظةً لذاكرة التاريخ، بل تمضي بخطى واثقة بقيادة الملهم سلمان بن سلطان لتكون نموذجًا عالميًا في التنمية المتوازنة، حيث يلتقي الإيمان بالمعرفة، والتاريخ بالابتكار، والزراعة بالاقتصاد، والبيئة بالاستدامة، والسياحة بجودة الحياة. وهكذا تواصل المدينة المنورة، بقيادة هذا الأمير، وبدعم القيادة الرشيدة، كتابة قصة وطنٍ جعل من مقوماتها أعظم استثمار، ومن هويتها منطلقًا لمستقبل يليق بمكانتها كرقم ووجهة عالمية على خارطة التميز العالمي، والمناطق الاكثر جذبا في السياحة الدينية والتاريخية والطبيعية من بين مدن العالم الأكثر نموا وجذباً للنفس البشرية الطامحة للاستكشاف والمقارانات.
للتواصل : [email protected]



