كتاب الرأي

عالم أرواح شاكر العقيد

الروح الغاضبة" الفصل الأول"

          ✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني :

البداية
​توجّهتِ السيدة «ميلاد» بخطواتٍ مضطربة إلى مركز الشرطة لتقديم بلاغٍ عن اختفاء زوجها؛ وهي امرأةٌ متزوجةٌ من رجل الأعمال المعروف «فاضل الشريف»، الذي خرج من منزله منذ ثلاثة أيام ولم يعد.
​جلست السيدة «ميلاد» على الطرف الخارجي للمقعد في مكتب الضابط «شهاب أحمد»، وعيناها تتنقلان بين أرجاء الغرفة بقلق. نظر إليها الضابط بنظرةٍ فاحصة، ثم سألها بجدية: «منذ متى لم يعد زوجُكِ فاضل الشريف؟»
​فركت «ميلاد» يديها بتوتر وأجابت بنبرةٍ خافقة: «منذ ثلاثة أيام.»
​اتكأ الضابط «شهاب» على مكتبه وقرب وجهه قليلاً مستفسرًا: «هل اتصلتِ به أو سألتِ أحدًا من عائلته عن مكان تواجده؟»
​تنهدت «ميلاد» بحسرة وحرّكت رأسها نفيًا: «اتصلتُ به وكان هاتفه مغلقًا، وزوجي لم يتبقَّ له أحدٌ من أسرته سوى ابن أخيه، وهو يقيم في ألمانيا.»
​دون الضابط الملاحظات في الملف أمامه، ثم رفع رأسه ونظر إليها بنبرةٍ تطمينية: «في هذه الحالة، سنبدأ بالبحث عنه، وإذا استجدّت أيّ تطورات سننتواصل معكِ.»
​امتلأت عينا «ميلاد» بالدموع، وقالت بنبرةٍ يملؤها الرجاء والحرقة: «أرجوك يا سيادة الضابط أن تجدوا زوجي؛ فاختفاؤه المفاجئ يقلقني جدًا ويقطع قلبي.»
​ابتسم الضابط «شهاب» هادئًا لمحاولة التخفيف من حِدّة قلقها وقال: «لا تقلقي يا سيدة ميلاد، أي مستجدات تطرأ سنحيطكِ بها علمًا، ولكن لا تُغيّري مكان إقامتكِ لحين الحاجة إليكِ، وإن تواصل معكِ السيد فاضل فأبلغينا على الفور.»
​نهضت «ميلاد» من كرسيها ببطء، وعدّلت حقيبتها بيدٍ ترتجف: «سأكون في منزلي بانتظار اتصالك أو تواصل زوجي معي، وسأحيطكم علمًا بأي جديد.»
​خرجت السيدة «ميلاد» من مركز الشرطة بخطى ثقيلة، وركبت السيارة ثم طلبت من السائق التوجه إلى المنزل بصوتٍ خافت. أخرجت هاتفها من حقيبتها بأصابع مرتجفة وطلبت رقم والدتها.
​أم «ميلاد» تُجيب بلهفة ونبرة مشوبة بالخوف: «أهلاً يا ابنتي ميلاد، كيف حالكِ؟ طمئنيني، هل من أخبارٍ جديدة عن فاضل؟»
​أسنَدَت «ميلاد» رأسها على زجاج السيارة وزمّت شفتيها بأسى: «لا يا أمي، لا أخبار جديدة، وقد خرجتُ للتوّ من مركز الشرطة بعد أن قدمتُ بلاغًا باختفائه.»
​شهقت الأم بصوتٍ مسموع وقالت بحيرة: «لا أعلم ماذا جرى له وأين اختفى!»
​أغمضت «ميلاد» عينيها وتنهدت بضيق: «ولا أنا يا أمي! منذ أن خرج صباحًا متوجهًا إلى عمله في الشركة وحتى الآن لا أثر له ولا خبر، وأخشى أن يكون قد أصابه مكروه.»
​تغيّرت نبرة الأم فجأة إلى الجدية والحرص، وقالت بفضولٍ مباغت: «لا نستطيع الجزم بشيءٍ قبل أن تُحدد الشرطة مكانه. ولكن الأهم من ذلك، هل الفيلا التي تقيمين فيها مسجلةٌ باسمكِ؟»
​قطعت «ميلاد» تفكيرها مستغربةً من سؤال أمها في هذا الوقت، وأجابت بفتور: «نعم يا أمي، إنها باسمي، والسيارة أيضًا باسمي.»
​تنهدت الأم بارتياح ملحوظ وقالت بنبرة حذرة: «طمأنتِني! يجب أن تؤمني نفسكِ في حال حدث مكروهٌ لفاضل -لا قدر الله- وأتى ابن أخيه يطالب بالتركة.»
​شعرَت «ميلاد» بالضيق من تلميحات والدتها، فقالت بنبرةٍ حاسمة تُنهي بها المكالمة: «إن شاء الله يعود سالِمًا. سأغلق الآن يا أمي وأحادثكِ في وقتٍ لاحق.»
​أغلقت «ميلاد» الهاتف ووضعته في أحضانها، وسرحت بنظرها عبر النافذة تفكر في فاضل وسر اختفائه المريب.
​في هذه الأثناء، باشرت الشرطة البحث عن المفقود فاضل الشريف، وتعميم أوصافه في المطار والميناء والمنافذ البرية دون جدوى؛ إذ لم يكن له أي أثر.
​وبعد يومين من البحث والتحري، ورد بلاغٌ من خفر السواحل يُفيد بوجود جثة رجلٍ تطفو على سطح البحر. وعلى إثر البلاغ، تحركت سيارات التحقيق الجنائي وفريق مسرح الجريمة إلى الموقع وسط أجواءٍ من الاستنفار، حيث تم فحص المكان وسحب الجثة إلى الشاطئ لمعاينتها تمهيدًا لنقلها إلى الطب الشرعي. كانت الجثة مشوهةً بعد أن التهمت الأسماك أجزاءً منها.
​وفي المركز، أمسك الضابط «شهاب أحمد» بهاتف المكتب وهو ينظر إلى التقرير الأولي، وأجرى مكالمةً هاتفية: «أهلاً سيدة ميلاد.»
​شهقَت «ميلاد» عند سماع صوته، واعتدلت في جلستها وردّت بنبرةٍ متقطعة يكسوها الرعب: «أهلاً سيادة الضابط شهاب، طمئنّي، هل من أخبارٍ جديدة عن زوجي فاضل؟»
​سكت الضابط لبرهة ثقيلة ثم قال بصوتٍ جاد وخالٍ من المشاعر: «نعم، لقد وردنا بلاغٌ عن العثور على شخص…»
​وضعَت «ميلاد» يدها على صدرها كأنها تحاول ضبط تسارع ضربات قلبها المجنونة، متسمرةً في مكانها تنتظر الخبر.
​أردف الضابط بصوتٍ رسمي: «نريدكِ معنا هنا للتعرف عليه، ولتؤكدي لنا ما إذا كان هو السيد فاضل الشريف أم لا.»
​ابتلعت «ميلاد» ريقها بصعوبة، وخرج صوتها مبحوحًا ومذعورًا: «كيف أتعرف عليه؟ هل هو بخير أم ماذا؟»
​أجابها الضابط بنبرةٍ قاطعة دون أن يعطيها أملًا أو حقيقة: «نحن بانتظاركِ، وستعرفين كل شيء عند حضوركِ إلى المركز.»
​أغلق الضابط السماعة، فيما سقط الهاتف من يد «ميلاد» وتجمدت أطرافها من شدة الصدمة والخوف. ارتجفت يداها وهي تتخيل أسوأ السيناريوهات، ثم قامت من مكانها بذهولٍ وهلع، ارتدت ملابسها بطريقةٍ عشوائية وتوجهت مسرعةً إلى قسم الشرطة.
​يا ترى، هل الجثة التي عُثر عليها في عرض البحر هي لفاضل الشريف أم لشخصٍ آخر؟ هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة من «الروح الغاضبة».

​يتبع…
للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى