كتاب الرأي

الفضفضة… متى تكون دواءً للنفس، ومتى تتحول إلى عبء؟

     ✍️ فاطمة الغامدي – كاتبة سعودية :

يمرّ كل إنسان بلحظات يشعر فيها بأن قلبه مثقل، وأن الأفكار تتزاحم في رأسه حتى يصبح حملها وحده أمراً مرهقاً. هنا تأتي الفضفضة؛ فهي ليست مجرد كلام يُقال، بل وسيلة صحية للتنفيس عن المشاعر، وترتيب الأفكار، واستعادة التوازن النفسي إذا مورست بالطريقة الصحيحة.

لماذا نحتاج إلى الفضفضة؟

عندما يشارك الإنسان ما يشعر به مع شخص يثق به، فإنه غالباً يشعر براحة داخلية وهدوء نفسي. وقد أظهرت دراسات علم النفس أن التعبير المتزن عن المشاعر يساعد على تقليل التوتر، ويخفف من تأثير الضغوط اليومية، كما يمنح العقل فرصة لرؤية المشكلة من زاوية أكثر وضوحاً.

ومن أبرز فوائد الفضفضة:

* تخفيف التوتر والضغط النفسي والشعور بالارتياح.
* ترتيب الأفكار وفهم المشكلات بصورة أوضح.
* تقوية العلاقات الإنسانية المبنية على الثقة والاحتواء.
* تقليل آثار الكتمان الطويل الذي قد ينعكس على الصحة النفسية والجسدية.

عندما يصبح الكتمان مؤذياً

يظن بعض الأشخاص أن القوة تعني إخفاء المشاعر دائماً، لكن الحقيقة أن كبت المشاعر لفترات طويلة قد يؤدي إلى تراكم الضغط النفسي، وهو ما قد ينعكس على الصحة العامة بارتفاع ضغط الدم، واضطراب مستويات السكر، وضعف المناعة، والصداع، واضطرابات النوم، إضافة إلى زيادة القلق والتوتر.

لذلك، فإن التعبير الصحي عن المشاعر ليس ضعفاً، بل هو جزء من العناية بالنفس.

ليست كل فضفضة نافعة

رغم أهمية التنفيس، إلا أن طريقة الفضفضة هي التي تحدد فائدتها أو ضررها.

يشير طبيب علم النفس مايكل فييدرمان إلى أن المشاعر ترتبط بالأفكار والتفسيرات التي نصنعها حول المواقف. فإذا استمر الإنسان في إعادة سرد الحدث بنفس الأحكام السلبية والتفسيرات المؤلمة، فإنه يعيد إحياء المشاعر السلبية مرة بعد أخرى، بدلاً من تجاوزها.

لذلك، ليست المشكلة في الحديث عن الألم، وإنما في كيفية الحديث عنه والهدف منه.

الفضفضة السلبية والفضفضة الإيجابية

هناك فرق كبير بين الفضفضة التي تساعد على التعافي، والفضفضة التي تزيد الألم.

الفضفضة السلبية تركز على:

* إصدار الأحكام على الآخرين.
* تفسير النوايا دون دليل.
* تضخيم الموقف وإعادة تكراره باستمرار.
* البحث فقط عن من يؤيد وجهة النظر.

وهذا النوع غالباً يزيد الغضب، ويعمق الخلافات، ويجعل الإنسان عالقاً في المشكلة.

أما الفضفضة الإيجابية فهي:

* التعبير عن المشاعر بصدق.
* محاولة فهم الموقف من زوايا مختلفة.
* طلب النصيحة أو المساندة.
* البحث عن حلول بدلاً من اجترار الألم.

الفضفضة ليست نقاشاً

من المهم التفريق بين الفضفضة والنقاش.

فالفضفضة هدفها الأساسي التنفيس عن المشاعر واستعادة الهدوء النفسي، بينما يهدف النقاش إلى توضيح وجهات النظر، وفهم الأسباب، والوصول إلى حلول أو اتفاقات تساعد على تحسين العلاقة مستقبلاً.

وعندما يختلط الأمر بينهما، قد تتحول الفضفضة إلى جدال، أو يتحول النقاش إلى تبادل للاتهامات.

كيف نجعل الفضفضة أكثر فائدة؟

لكي تحقق الفضفضة أثرها الإيجابي، يُنصح بما يلي:

* اختيار شخص أمين يحفظ السر ويقدم النصح بإخلاص.
* عدم تحويل الفضفضة إلى عادة يومية من الشكوى والتذمر.
* تقبل وجود تفسيرات مختلفة للموقف وعدم التمسك برأي واحد.
* التركيز على الحلول والخطوات القادمة بدلاً من البقاء في الماضي.
* التوقف عن الحديث عندما تشعر أن الحوار أصبح يزيد انفعالك بدلاً من تهدئته.

وإذا لم تجد الشخص المناسب؟

ليس من الضروري أن تكون الفضفضة دائماً مع الآخرين. فالكتابة تعد من أفضل وسائل التنفيس؛ إذ تساعد على إخراج المشاعر من الداخل، وترتيب الأفكار بهدوء، وفهم الذات بصورة أعمق. كما أن ممارسة الرياضة تُعد وسيلة فعالة لتفريغ التوتر وتحسين المزاج، لما لها من أثر إيجابي على الجسم والعقل معاً.

ومن المهم أيضاً أن يحرص الإنسان على بناء علاقة صحية مع نفسه؛ فحب الذات بمعناه الصحيح، والرضا عن الحياة، والاهتمام بالصحة النفسية يمنح الإنسان طاقة إيجابية، ويزيد من شعوره بالسلام الداخلي، ويخفف من سيطرة الأفكار السلبية.

الفضفضة نعمة عندما تكون وسيلة للتعافي، وليست وسيلة لإدامة الألم. فالإنسان يحتاج أحياناً إلى من يسمعه، ويحتويه، ويساعده على رؤية الصورة بشكل أوضح، لا إلى من يزيد غضبه أو يؤكد له أنه الضحية دائماً.

لذلك، احرص أن تكون فضفضتك بدايةً للراحة، لا استمراراً للمعاناة؛ وأن تجعل كلماتك جسراً نحو الحل، لا دائرةً تعيدك إلى الألم في كل مرة.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى