كتاب الرأي

أين ذهبت ضحكاتنا؟

✍️أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي _ كَاتِبٌ سَعُودِيٌّ :

فيما مضى كنا نضحك لأبسط النكات، ونطرب لسماعها، ونسعد بها سعادةً لا توصف. وربما أخذتنا النكتة أياماً، وإن لم يكن أسابيع أو شهوراً، نضحك كلما تذكرناها، ونعيد سردها في المجالس فينفجر الجميع بالضحك من جديد.
أتذكر أن كان لنا زملاء وأصدقاء من إحدى الجنسيات المعروفة بروحهم المرحة. ما أن يقابلك أحدهم في الصباح حتى يسأل: “ها، سمعت آخر نكتة؟” فإما أن يسمع منك، أو يقدم لك نكتة، فيضحك الجميع. فتكون تلك بدايةً موفقةً لليوم، يؤثر ضحكها في مزاج الجميع، ونبدأ يومنا بتفاؤل وخفة روح. كان الضحك وقتها عادةً يومية، ومصلاً ضد ضغوط الحياة، ووسيلةً للتقارب لا تكلف شيئاً.
أما اليوم فلم نعد نضحك لأي طرفة أو نكتة. وإن ضحكنا فلا يتعدى ضحكنا حدود المجلس، وعلى مضض، وربما مجاملةً للآخر لا أكثر. صار الضحك متكلفاً، وصار الصمت هو الغالب. فأتساءل كثيراً: ما الذي تغير فينا؟ وأين ذهبت تلك العفوية التي كانت تملأ بيوتنا؟
لعل أول ما يتبادر إلى الذهن هو ثِقل الحياة. أصبحت الأعباء أكبر، والمسؤوليات أثقل، والهموم لا تنتهي. صار العقل مشغولاً بالفاتورة القادمة، وبالهدف الذي لم يتحقق، وبالمستقبل الذي يبدو غامضاً. امتلأت هواتفنا بالأخبار السيئة، وتزاحمت في رؤوسنا قوائم المهام التي لا تنتهي. فكيف لقلبٍ مثقلٍ أن يجد متسعاً للضحك على نكتة عابرة؟ لقد بات لدينا ما يشغلنا ليل نهار، فسرق الانشغال منا خفة الروح، وحول أيامنا إلى سباق لا ينتهي، ولا وقت فيه للراحة.
أم أن السبب هو أن وعينا قد زاد؟ أصبحنا لا نقبل كل شيء، ولا نستسيغ كل شيء. كبرنا، وقرأنا، وسمعنا، وخبرنا. فالنكتة التي كانت تضحكنا قبل عشر سنوات، صارت اليوم باهتة، مكررة، بلا طعم ولا لون ولا رائحة. لقد ارتفع سقف ذائقتنا، فلم يعد يرضينا القليل، وصار الضحك يحتاج إلى مادة دسمة وعميقة كي يخرج من القلب. صرنا نحلل كل كلمة، ونبحث عن المعنى الخفي، ونخاف أن تكون النكتة جارحة أو سطحية أو غير لائقة. نعاني كثيراً ونهتم ونغتم من كثرة التفكير قبل أن نضحك.
وربما هي الجدية التي تلبسناها عنوة. تعلمنا أن “الكبير” لا يضحك كثيراً، وأن “المشغول” لا وقت لديه للهو، وأن “المسؤول” يجب أن يكون دائم العبوس حتى يحترمه الناس. فصرنا نكتم ضحكاتنا، ونحسب لكل كلمة حساباً، ونخاف أن نُوصف بالسذاجة أو قلة الوقار. فغيبت الجديةُ عفويتنا، ومعها فقدنا ضحكاتنا الصادقة. نسينا أن الجدية لا تتعارض مع المرح، وأن الوقار لا يعني أن ندفن قلوبنا.
وهناك سبب رابع لا يقل خطورة: البدائل التي سرقت مكان الضحك.
صار وقت الفراغ الذي كنا نقضيه في السوالف والنكت، يُقضى الآن في تقليب الشاشات. نضحك على مقطع مدته 10 ثوانٍ ثم ننتقل لغيره فوراً. صار الضحك استهلاكياً سريعاً، بلا ذاكرة وبلا مشاركة. لم نعد نحكي النكتة لبعضنا ونشاهد ردة الفعل، بل نرسل “إيموجي ضحك” وننتهي. فماتت لذة الضحك الجماعي، وماتت معها القصص التي كنا نعيدها كلما التقينا.
والحقيقة أن السبب ليس واحداً. إنه مزيج من كل ذلك: ضغط الحياة الذي أثقل كاهلنا، والوعي الذي رفع معاييرنا، والجدية التي سرقت براءتنا، والشاشات التي اختصرت تواصلنا. لقد تبدل إيقاع الحياة من حولنا، فصرنا نركض خلف الإنجاز ونسينا أن نعيش اللحظة.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل هذه حالة تستحق الدراسة من المتخصصين في علم النفس والاجتماع؟ فغياب الضحك ليس تفصيلاً صغيراً، بل هو مؤشر على تحول عميق في مزاج المجتمع وروحه. فعلماء النفس يؤكدون أن الضحك صمام أمان للصحة النفسية، وأنه يخفف التوتر ويقوي المناعة ويجدد طاقة الإنسان. فماذا يعني أن يفقد مجتمع بأكمله هذه العادة؟ ألا يستدعي ذلك وقفة وتأملاً؟
يبقى السؤال الأخير الذي نتمناه جميعاً: هل سنعود يوماً ما إلى سابق عهدنا، ونضحك من القلب؟ نضحك بلا حساب، وبلا مجاملة، وبلا خوف من أن يحكم علينا أحد. أتذكر أحدهم رحمه الله، كان يضحك من قلبه حتى تدمع عيناه على موقف بسيط، ويقول: “الضحك عمر ثاني”. ليتنا نعود نتبادل النكات في الصباح كما كنا، فنبدأ يومنا بابتسامة بدل العبوس.
فالضحك ليس دليل سذاجة، بل هو دليل عافية. وهو قدرة القلب على أن يخف رغم كل الثقل. ولعلنا إذا عدنا نضحك، خفّت بعض همومنا، وعادت إلى الحياة بعض ألوانها، وعدنا أقرب إلى بعضنا.

للتواصل: @al_mozine

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى