بين الحلم والحقيقة… سعي ودعاء

✍️ أروى مسلط العتببي – كاتبة سعودية :
ليست المسافة بين الحلم والحقيقة طريقًا يقاس بالأميال بل رحلةً تقاس بما ينبت في الروح من يقين وما يترسخ في القلب من صبر وما تبذله النفس من سعي؛ ففي رحلة الحياة يقف الإنسان دائماً بين ضفتين؛ ضفة الأحلام التي تضيء قلبه وتمنحه أسباب المضي وضفة الواقع بما يحمله من تحدياتٍ وعقباتٍ واختبارات، وبين هاتين الضفتين يمتد جسرٌ لا يكتمل بناؤه إلا بركيزتين عظيمتين: السعي والدعاء
الحلم لا يولد حقيقةً بمجرد أن نسكنه قلوبنا فالأمنيات وحدها لا تغير الواقع وإنما تصنع الأمل، أما الحقيقة فتولد حين ينهض الإنسان كل صباح ليقترب من حلمه خطوةً أخرى وحين يقرر أن يجعل من التعب ثمناً لما يريد الوصول إليه؛ فالأحلام لا تنضج في دفء الأمنيات وإنما تحت شمس المحاولة وبين عثرات الطريق ولعل أجمل ما في الحلم أنه لا يمنح الإنسان غايةً يسعى إليها فحسب بل يمنحه سببًا للحياة؛ فالسعادة ليست في تحقيق الحلم وإنما السعادة الحقيقية أن يكون لك حلم تعيش من أجله وأن تستيقظ كل صباح وفي قلبك أمنية تستحق أن تسعى إليها وأن يبقى في روحك شغف يرفض الاستسلام لرتابة الأيام، أما الحزن الحقيقي فليس أن يتأخر الوصول ولا أن تكثر العثرات وإنما أن ينطفئ الشغف وأن يعيش الإنسان ناسياً أن يحلم؛ فما أشد فقر الروح حين تفقد أحلامها وما أعظم غناها حين تتمسك بها حتى في أقسى الظروف، فكيف مثلًا للحزن أن يتملك قلب إنسانٍ يعيش وسط الحرب وهو لا يزال يحمل حلم الحرية؟ إن الحلم في أوقات الألم ليس ترفًا بل مقاومة، وليس هروباً من الواقع بل إيمان بأن الغد أجمل مما يراه البصر وأن رحمة الله أوسع من كل ما يحيط بالإنسان
السعي هو مِعول البناء والجزء الذي كلفنا الله به؛ هو أن نخطط ونتعلم ونجتهد ونكرر المحاولة كلما تعثرنا وأن نؤمن بأن الإنجازات الكبيرة لا تأتي بقفزاتٍ مفاجئة بل بخطواتٍ صغيرةٍ لا تنقطع؛ فالثبات على الطريق يصنع ما لا تصنعه الاندفاعة المؤقتة وتطوير الذات يفتح أبواباً جديدةً كلما ضاقت السبل والمرونة في مواجهة العثرات تحفظ للحلم حياته مهما تبدلت الظروف
لكن الإنسان مهما بلغ من قوةٍ وإتقان يبقى محدود الأسباب؛ وهنا يأتي الدعاء ليكمل ما عجزت عنه الجهود، فالدعاء ليس بديلًا عن العمل ولا ملاذًا للكسل بل هو روح السعي وسر بركته وهو الجسر الممتد بين ضعف الإنسان وكمال قدرة الله والاعتراف بأن القلوب والأرزاق والفرص كلها بيد مَن يقول للشيء كن فيكون
حين تضيق الطرق يفتح الدعاء نوافذ لا تراها العيون، وحين تتعقد الأسباب يمنح القلب طمأنينةً لا تمنحها الحسابات؛ إنه اليقين بأنك لا تسير وحدك وأن خلف كل خطوةٍ صادقةٍ عنايةً خفية وخلف كل دعوةٍ مخلصةٍ تدبيراً ألطف مما تتخيل
كم من حلمٍ ظنه صاحبه بعيدًا حتى إذا جاء موعده أدرك أن الله لم يكن يؤخره عنه بل كان يهيئه له، وكم من بابٍ أغلقه الناس ثم فتح الله بعده أبواباً لم تخطر على البال! فليس كل تأخيرٍ حرمانًا ولا كل انكسارٍ نهاية؛ فقد يكون التأخير إعدادًا وقد تكون العقبة حمايةً وقد يكون الطريق الطويل هو الذي يصنع الإنسان القادر على حمل النعمة إذا وصلت
ولهذا كان الخطأ أن يفصل الإنسان بين السعي والدعاء؛ فمن الناس من يثق بجهده حتى ينسى أن التوفيق من عند الله، ومنهم من يكثر الدعاء ويقعد عن الأخذ بالأسباب؛ وكلا الطريقين ناقص، أما الكمال فيكون حين يعمل الإنسان بكل ما أوتي من قوة ويستعين بالله بكل ما أوتي من يقين
فالسعي بلا دعاء قد يورث صاحبه غروراً إذا نجح أو انكساراً إذا أخفق لأنه ظن أن الأمر كله بيده، والدعاء بلا سعي تواكل يحرم صاحبه من سنن الله في هذه الحياة؛ أما حين يجتمع صدق العمل مع صدق التضرع يصبح الإنسان مطمئنا وهو يسير ثابتاً وهو ينتظر راضياً وهو يبذل
وما أجمل أن يعيش الإنسان بهذه المعادلة؛ يأخذ بالأسباب كأنها كل شيء ثم يرفع يديه إلى السماء وهو يعلم أنها ليست إلا وسائل وأن مسبب الأسباب هو الله وحده، فيسعى بإخلاص ويدعو بيقين ويرضى بحكمة لأنه يعلم أن الله لا يضيع تعباً صادقاً ولا ينسى دعوةً خرجت من قلبٍ موقن
يا من تحمل حلمًا في قلبك لا تؤجل بدايته انتظارًا للظروف المثالية ولا تجعل تعثر الطريق سببًا للتراجع، ازرع حلمك بالسعي واسقه بالدعاء وأحسن الظن بربك ثم امضِ مطمئنًا؛ فإن ما بين الحلم والحقيقة ليس فراغاً يملؤه الانتظار بل رحلة يربي الله فيها القلوب قبل أن يحقق الأمنيات ويصنع فيها الإنسان قبل أن يصنع له النجاح
فإذا وصلت يومًا إلى حلمك ستلتفت إلى الوراء وتدرك أن أجمل ما في الرحلة لم يكن الوصول وحده، بل تلك النفس التي صقلها السعي وذلك القلب الذي أناره الدعاء وذلك اليقين الذي علمك أن كل خطوةٍ بذلتها وكل دمعةٍ رفعتها إلى السماء كانت تسير بك نحو قدرٍ كتبه الله لك بأرحم مما تمنيت وأجمل مما تخيلت .
للتواصل: [email protected]



