كتاب الرأي

حين يتحول الهاتف إلى مُربٍّ… فمن يحمي الطفولة؟

               ✍️ ناهد شما – كاتب أردني :

كلما سمعنا عن جريمة تهز الضمير يكون السؤال الأول: كيف وصل أطفال إلى هذا المستوى من السلوك؟ وكيف فقدوا براءة كان يفترض أن تكون سياجًا لهم ولغيرهم؟
إن الطفل لا يولد وهو يحمل أفكارًا منحرفة أو سلوكًا مؤذيًا، بل يتأثر بما يراه ويسمعه ويعيشه. وحين يُترك لساعات طويلة مع هاتف ذكي بلا رقابة، أو يتصفح الإنترنت دون حماية، أو يشاهد مقاطع لا تناسب عمره، فإننا نكون قد فتحنا أمامه أبوابًا لا يدرك خطورتها.
إن بعض الآباء يظنون أن إعطاء الطفل الهاتف وسيلة لإسكاته أو إشغاله، بينما قد يكون ذلك بدايةً لفقدان السيطرة على ما يتعلمه وما يختزن في عقله الصغير. فالعالم الرقمي مليء بالمحتوى المفيد، لكنه أيضًا مليء بما يفسد الفطرة ويشوّه المفاهيم إذا غابت الرقابة.
إن مشاهدة المواد الإباحية، أو المقاطع التي تمجد العنف أو تستغل الأطفال، ليست أمرًا يمر دون أثر، بل قد تترك آثارًا نفسية وسلوكية خطيرة، خاصة لدى الأطفال الذين لا يملكون النضج لفهم ما يشاهدونه. لذلك فإن مسؤولية الوالدين لا تقتصر على توفير الطعام واللباس والتعليم، بل تشمل حماية العقول والقلوب.
راقبوا ما يشاهده أبناؤكم، واعرفوا من يصادقون، وتحدثوا معهم بلغة المحبة والثقة، ولا تجعلوا الهاتف يحتل مكانكم في التربية. فالرقابة ليست تجسسًا، بل هي رعاية، والحوار ليس ترفًا، بل هو صمام أمان.
فلنسأل أنفسنا قبل أن نندم: كم ساعة يقضيها أبناؤنا مع الهاتف؟ هل نعرف الألعاب التي يمارسونها؟ هل نعرف المقاطع التي يشاهدونها؟ هل وضعنا ضوابط للأجهزة داخل المنزل؟ وهل نحن القدوة في طريقة استخدامنا للتقنية؟
إن حماية طفل واحد من الانحراف خير من علاج مئات الضحايا بعد وقوع الكارثة. فالأطفال أمانة، والهواتف ليست بديلًا عن الأسرة، والرقابة الواعية ليست تشددًا، بل حب ومسؤولية.
فلنحفظ طفولة أبنائنا قبل أن تسرقها شاشة صغيرة، ونحرس براءتهم قبل أن يعبث بها عالم لا يرحم.

وهنا يفرض الواقع سؤالًا مؤلمًا لا يجوز أن نهرب منه: من يستحق العقاب الحقيقي؟ هل يُعاقَب طفلان لم يبلغا من النضج ما يدركان به فداحة ما ارتكباه في اغتصاب طفلة الثلاث سنوات ورميها في البحر ؟ أم يُسأل قبل ذلك من تركهما يسرحان في عالمٍ بلا رقابة، يشاهدان ما لا يليق بأعمارهما، ويحملان هواتف فتحت لهما أبوابًا لم يكن ينبغي أن تُفتح؟
لا أحد يعفي مرتكب الجريمة من المسؤولية وفق ما يقرره القانون، لكن المجتمع يجب أن يتوقف أيضًا عند مسؤولية الوالدين. فالإهمال في التربية، وغياب المتابعة، وترك الأطفال أسرى للشاشات دون توجيه أو حماية، قد يكون سببًا في صناعة مأساة يدفع ثمنها أبرياء.
إن الطفل أمانة، والرقابة ليست قيدًا على حريته، بل حماية له وللآخرين. ولو أدرك كل أب وأم أن إهمال ساعة قد يصنع مأساة عمر، لما تركوا أبناءهم يواجهون هذا العالم وحدهم.
حسبي الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى