كتاب الرأي

وحي تهامة المعتّق: قراءة في دفاتر الهمة وفلاح الأرض

     ✍️حسن المقصودي-كاتب سعودي:

تمر الكلمات في جدب الأيام كغيث يهطل على بقايا روح ملّت الحداثة وجفافها، فتنبت من ثنايا الحروف هوية كادت أن تذوب في مطاحن النسيان. وفي هذا المقام، يقودنا صراع صامت، صراع بين حداثة مادية باهتة وذاكرة أرض تولد من جديد، يقودنا لنبش وحيهم الذي تداركه الأفول، ونشرع في قراءة الوجدان التهامي المعتّق الذي خطّه الحبيب يحيى أبوعيه الألمعي (فلاح تهامة) حين قال: البلاد وحي للصابرين. وحي الحياة. وحي النقاء ونداء همة وراع بقاء. وحي حضارة مؤودة لا زلنا نتغنى بفتات ذاكرة ما تلبث إلا ويتداركها الأفول.. رعب النسيان يسمعني وحيهم… أخلد للتناسي فيوقظني وحيهم… أهرع لعزلتي فيزورني وحيهم… وحي أهلها يمجّه التابعون ومن تبعهم. أعيش صراعاً صامتاً يقودني إلى أن أُبلّغ رسالة كتبتها حينما أملوا عليّ وحيهم… هناك تلقنت حديث الساقية…. هناك تلمت وحنوت قامتي لأستنبت بعضاً من وحيهم…. لعل طيف الحسرة يبلغهم بأني هناك، تطربني أهزوجة الهمة حال الحرث: (مالها يوم الذرا قيالي إلا العصا والمروس الطوالي) من وحيهم. يملؤني الحبور ويقودني لتلك اللحظات، لحظات الصرفة: (يا غانمي دب الحيا في دبيبك وأقبل صريم أمدخن وأقبل حليبك) من وحيهم… صريخ المنادي المرتقب: (من خرَف خُرف ومن صرَف صُرف) من وحيهم… وكيف لي الرضوخ ولم أنل الفوز والتتويج: (البلاد البلاد مارقات الوساد مغبيات الهدايا لعمالها) ربما لا يعي تابعي تابعيهم ما أكتب، وعشمي أن يستمر وحيهم لكي لا يغيب عن البسيطة وحيهم.
إن هذا النداء ليس مجرد حنين عابر، بل هو صرخة في وجه رعب النسيان، ومحاولة جادة لحماية إرث يراه التابعون غريباً ويمجّه من استسلم لآلات التحديث المفرطة. إن كاتب النص يعيش مخاضاً روحياً بليغاً، يتجسد في تلك الرسالة التي أملوها عليه، حيث تذوب عزلته ويستفيق تناسيه على قرع طبول الذكريات، ليعلن أنه انحنى للأرض لكي يزرع من وحي الآباء، مستمسكاً بوجوده هناك على ضفاف الساقية القديمة.من المنظور الأدبي والنحوي، يبرز النص كبنية تعبيرية فخمة، وظّف فيها الكاتب الأفعال والمجازات ليعيد رسم علاقة الإنسان بالأرض. فحين يتحدث عن تحنية القامة لاستنبات الوحي، فإنه يضع التواضع للأرض في محل رفع للمكانة والكبرياء. ثم يتجلى التفاعل الإنساني بأبهى صوره عندما يربط الفصحى بخصوصية الطقس التهامي وعادات الحرث، عبر تلك الأهازيج الشجية الشاهدة على عرق الكادحين وصوت المنادي المرتقب. وفي نداء الشرط الإنساني من خرف خُرف ومن صُرف صُرف، يضعنا أمام قانون الأرض الأزلي: أن العطاء مرتبط بالعمل، وأن الحصاد هو ثمرة الكفاح، ولحظات الصرفة هي مبتدأ الحبور وخبر الرزق الهطول.
وينتهي هذا البوح الوجداني الفاخر بتساؤل استنكاري يحمل معنى الإصرار على عدم الرضوخ، ورفض التراجع قبل نيل الفوز والتتويج، مستشهداً بذاكرة البلاد الخيرة التي تجازي عمالها بالهدايا والمحبة.
إننا إذ نتفاعل مع هذا النص الباذخ، نضم صوتنا لصوت فلاح تهامة، ونؤكد بلسان أدبي وبلاغي فصيح: إن البلاد ستبقى مغبيات الهدايا لعمالها، وهي صيغة مبالغة تؤكد أن كرم هذه الأرض مخبوء ومذخور لمن يخلص لها ويعيد إحياء وحيها. ومهما جهل تابعي تابعيهم هذا التراث، فإن عشمنا ويقيننا أن يستمر هذا الوحي حياً نابضاً، لكي لا يغيب عن البسيطة أثر الكادحين وصناع الحياة الأولين.
والسلام ؛؛؛

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى