المناسبات الاجتماعية: من جسورٍ للمودة إلى ساحاتٍ للاستعراض

✍️أ. د. محمد شايع الشايع كاتب وأكاديمي بجامعة الملك سعود :
لقد كانت المناسبات الاجتماعية تاريخياً جسوراً للمودة، ومساحاتٍ للتلاقي ووصل الأرحام، لكنها في زمنٍ تتسارع فيه المؤثرات الاجتماعية وتتصدر فيه منصات التواصل مشهد الحياة اليومية، تحولت عند الكثيرين من تلك الغاية السامية إلى “ساحاتٍ للاستعراض”. ومع تراجع أدوار الأسرة والمدرسة والمسجد في ترسيخ منظومة القيم، برزت أنماط من السلوك يغلب عليها التمركز حول الذات، حتى غدت بعض النفوس عاجزة عن التعايش الطبيعي مع أفراح الآخرين أو المشاركة الوجدانية الصادقة في مناسباتهم. وهنا تبدأ المناسبة في فقدان رسالتها، لتتحول من مساحة للتوادّ والتراحم إلى منصةٍ لإثبات الذات، أو تصفية الحسابات، أو استدعاء الماضي.
وتتجلى مظاهر هذا التحول المقلق قبل انعقاد المناسبة نفسها؛ فمنذ إعداد قائمة المدعوين وتوزيع الدعوات، تتحول التفاصيل عند البعض إلى مقياس للمكانة الاجتماعية. وبدلاً من أن تُقرأ الدعوة في إطارها الطبيعي، يُفتش عن أسباب دعوة هذا وتأخر ذاك، ويُفسَّر كل تصرف على أنه رسالة تفضيل أو إقصاء. ومع أن كثيراً من هذه الترتيبات تفرضها ظروف المكان أو الإمكانات، إلا أن بعض النفوس لا تبحث عن العذر بقدر ما تبحث عما يغذي شعورها بالاستهداف، فتتحول المناسبة إلى بداية لخلاف جديد بدلاً من أن تكون فرصةً للوصل.
ولعل أخطر ما يرافق هذا الاستعراض هو اختلال موازين التقدير؛ فبعد أن كانت الأسر تمنح كبار السن مكانتهم وتجعل من أهل الحكمة والخبرة مرجعاً لها، أصبح التقدير عند البعض يُبنى على المظهر والملبس والمقتنيات والسيارات. وهكذا تتراجع معايير الدين والعلم وحسن الخلق، ويُهمَّش أصحاب الوقار والفضل بينما يتصدر المشهد بريق الصورة. وحين تُقاس قيمة الإنسان بما يملك لا بما يحمل من أخلاق وتجربة، تفقد الأسرة إحدى أهم ركائزها وتضعف مرجعيتها، ويغيب صوت الحكمة في وقتٍ تكون الحاجة إليه أشد.
وحين تبدأ المناسبة، يظهر الوجه الآخر لهذه الاستعراضات؛ فمن الناس من لا يحتمل مشهد الفرح، فيحول اللقاء إلى مجلس للتذكير بالموتى، أو اجترار الأحزان، أو استدعاء خلافات مضى عليها الزمن، أو استعراض مواقف قديمة، أو نقل صراعاته الخاصة إلى مجلس لم يجتمع الناس من أجله. بل قد يستغل وجود الأسرة كاملة لمحاولة حسم نزاع مؤجل، أو فرض مصالحة في توقيت غير مناسب، متناسيًا أن الإصلاح، على جلالة قدره، يحتاج إلى حكمة في الزمان والأسلوب، وإلا انقلب إلى سبب لإفساد المناسبة بدلاً من إصلاح العلاقة.
ويبرز كذلك نمط من السلوك يجعل صاحبه اجتهاده الشخصي ميزانًا للناس جميعًا، فيوجب ما لا يجب، ويحاسب الآخرين على ما لم يُلزمهم به الشرع ولا العرف، ويرى تقصير غيره بينما يعجز عن رؤية تقصيره. وهذا من أكثر مظاهر اختلال النفس خطورة؛ لأنه يجعل الإنسان قاضيًا على الآخرين ومحاميًا عن نفسه في الوقت ذاته. ومن منظور علم النفس، فإن هذه السلوكيات لا تعبر عن قوة الشخصية، بل تعكس خللاً في إدارة المشاعر، وحاجةً مفرطة إلى لفت الانتباه، وعجزًا عن مشاركة الآخرين أفراحهم دون منافستهم عليها.
والمؤلم أن آثار هذه الممارسات لا تنتهي بانتهاء المناسبة، بل تبقى في الذاكرة حتى تُحدث شروخًا داخل الأسرة الواحدة، فتتسع الفجوات بين الإخوة والأقارب، وربما تمتد إلى قطيعة الأرحام؛ فالكلمات تُنسى، لكن آثارها في النفوس قد تبقى أعوامًا. لقد جاءت الشريعة بحفظ الألفة، وإصلاح ذات البين، وتوقير الكبير، وإنزال الناس منازلهم. فلا يجوز أن تتحول الدعوات إلى موازين للمكانة، ولا المناسبات إلى ساحات للاستعراض، ولا الاجتهادات الشخصية إلى التزامات يُحاسب الناس عليها.
إن نجاح المناسبات لا يُقاس بفخامة القاعات، وإنما بما تتركه من أثر في النفوس. فالمناسبة الناجحة هي التي تحفظ للناس أقدارهم، وتوقر كبارهم، وتُعلي مكانة العلم والحكمة، وتجعل المظهر تابعًا للقيمة لا بديلًا عنها. إن أعظم ما يقدمه الإنسان ليس هدية يحملها بيده، وإنما طمأنينة يتركها في قلوب الآخرين، واحتراماً يقدمه لكبار السن، وإنصافاً يفيض به على من حوله. فالمناسبات تمضي، أما أثرها فقد يبقى أعواماً وربما يمتد إلى أجيال. وإن أنبل المناسبات هي التي يغادرها الناس وهم أكثر مودة، وأعمق احتراماً، وأقوى صلةً بأرحامهم، لأنها حافظت على رسالتها الحقيقية في جمع القلوب، ولم تسمح للمظاهر أو الأهواء أن تختطف الفرح من معناه، ولا العلاقات من إنسانيتها .
للتواصل : [email protected]



