المعجزة المنسية

✍️ أ. ثويني النجباني- كاتب سعودي :
كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجرًا. الهدوء يلف المدينة إلا من صوت أنفاس “عبدالله ” المتسارعة، وصوت مؤشرات الأجهزة الطبية في غرفة العناية المركزة حيث ترقد والدته. نظر إلى الطبيب الذي خرج للتو، وعلى وجهه ملامح إرهاق حفرتها سنوات العمل.
قال الطبيب بصوت خافت : “العملية نجحت، لكن التحدي الأكبر يبدأ الآن. عليها أن تقف مجددًا.. عليها أن تمشي”.
في تلك اللحظة، شعر عبدالله وكأن الكلمة هزت كيانه. “أن تمشي”. تلك الحركة العفوية التي يفعلها ملايين البشر كل يوم دون تفكير، أصبحت فجأة أمنية غالية، ومعجزة ينتظرها بفارغ الصبر.
خرج عبدالله من المستشفى والخطوات تثقل كاهله. بدأ يتأمل في حركة المارة من حوله؛ طفل يركض ضاحكًا، رجل مسن يستند إلى عصاه، . لأول مرة، لم يرَ المشي مجرد وسيلة للانتقال، بل رآه كـ “سمفونية ميكانيكية معقدة”.
بينما تعتمد معظم المخلوقات في ملكوت الله على أربع قوائم لتوزيع الوزن، أو تزحف، أو تطير، يقف الإنسان وحيدًا متفردًا. إنه الكائن الوحيد الذي يتحدى الجاذبية باعتداله ووقوفه كامل على قدمين، محققًا توازنًا دقيقًا ومذهلاً.
في كل خطوة تخطوها، يحدث صراع خفي بين جسدك والجاذبية. يرسل الدماغ آلاف الإشارات العصبية في أجزاء من الثانية إلى عضلات الظهر، والحوض، والساقين. تنقبض عضلات وتنبسط أخرى، وتعمل الأذن الداخلية بمثابة “ميزان ذهب” لضمان ألا تسقط. إنها معجزة صامتة نكررها آلاف المرات يوميًا دون أن نشعر!
تذكر عبدالله كيف استسلم في السنوات الأخيرة لرفاهية التكنولوجيا؛ من مقعد السيارة إلى مقعد المكتب، ثم إلى أريكة المنزل، وكيف بدأت ضغوط الحياة وأمراض العصر تتسلل إلى جسده ونفسيته.
قرر في تلك اللحظة ألا ينتظر.
ربط حذاءه الرياضي، وبدأ يمشى. لم يحتج إلى معدات معقدة، ولا إلى اشتراكات باهظة في نوادي اللياقة. فقط هو، والطريق، ونعمة التوازن.
مع كل كيلومتر يقطعه، كان يشعر بالدماء تتدفق في عروقه وتنعش قلبه. لم يكن المشي مجرد تحريك لأطرافه، بل كان بمثابة “غسيل روحي”. تلاشت الأفكار السلبية، وانخفضت مستويات التوتر، وشعر بالطاقة تتجدد في حواسه. فالجسد الذي خُلق ليمشي، يمرض بالركود، ويشفى بالحركة.
مرت الأسابيع، وجاء اليوم المنتظر. وقف عبدالله في ممر المستشفى، يسند والدته وهي تخطو خطوتها الأولى بعد الأزمة. كانت القدم ترتجف قليلاً، والعينان تشعان بالتركيز، والإرادة تصنع المستحيل.
عندما استقرت قدمها على الأرض بنجاح، ورفعت رأسها مبتسمة، أدرك عبدالله الحقيقة الكبرى: أن المشي ليس مجرد رياضة، بل هو صك الحرية الذي وهبه الله للإنسان.
إن خطواتك اليومية ليست مجرد انتقال من نقطة (أ) إلى نقطة (ب). إنها استثمار في صحتك، وتجديد لنشاطك، وشكر عملي لنعمة التوازن الإلهية. في المرة القادمة التي تقرر فيها السير
ارفع رأسك وتأمل كيف فضلك الله بهذا القوام المستقيم .
استنشق بعمق: واجعل من خطواتك البسيطة ترياقًا لضغوط يومك.
تذكر دائمًا: أن أبسط العادات قد تكون أعمقها أثرًا على قلبك وعقلك وجسدك.
فهل ستمنح جسدك اليوم فرصته ليمارس
معجزته الفطرية؟
للتواصل : [email protected]




صدقت، نعم الله -تعالى- لا تحصى ولا تعد، كما قال في كتابه العزيز وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا
الحمدلله على جميع النعم التي لا تعد ولا تحصى
اللهم لا تغير علينا الحال إلا لأحسنه وأفضله
ابداع في صياغة الموضوع انت رائع في سردك انت نجم متألق ومبدع في كل موضوع تتحفنا بجديدك وبكل مره تميز اكثر👏👏 وفقك الله ورعاك