محمد النهاري بعين المسردي.. سيرة الوفاء والقلم

✍️د. سعيد بن عبدالله آل جفشر – كاتب سعودي :
قرأت ما سطّره الأستاذ مسعود بن فهد المسردي في مقاله عن المؤرخ محمد بن سعد النهاري، فوجدته حديث العارف بصاحبه، والوفيّ لرفيق دربه، وقد أحسن في تصوير شخصية أبي سعد، رحمه الله، علمًا وخلقًا ووفاءً وبذلًا، فجاء مقاله صادق العبارة، جميل السبك، وهو أمر غير مستغرب من أبي مسعود، صاحب القلم الرصين والعناية الفائقة بالتاريخ والسير والتراث.
وأعادني مقاله إلى بدايات معرفتي بالأخ محمد بن سعد النهاري عام 1419هـ، حين التقيته في مركز العرين ببلاد قحطان، في منزل الشيخ عبيد النهاري «أبي مذكر»، أثناء عملي هناك. وكان الشيخ عبيد، رحمه الله، مثالًا في الكرم وحسن الخلق، فكان ذلك اللقاء بداية معرفة تركت أثرًا طيبًا في النفس.
ثم انقطعت الصلة بيني وبين محمد النهاري فترة من الزمن، رغم أنني كنت قد أبديت له ملاحظة على كتابه «العرب بلاد قحطان»، ووعدني بإضافتها في طبعة لاحقة، إلا أن الكتاب لم تصدر له طبعة أخرى، فبقي الأمر كما هو.
وعادت العلاقة بعد صدور كتابه «صفحات من تاريخ قحطان المعاصرة»، فوجدته باحثًا مجتهدًا بذل جهدًا واضحًا في جمع المادة التاريخية وتوثيقها. واستمر التواصل بيننا على فترات، وتشرفت بزيارته في ظهران الجنوب، كما كانت آخر زياراته لي في منزلي بجزعة آل حنيش ببلاد وقشة، بحضور نخبة من الأدباء والشعراء والمفكرين، وهي ليلة ما زالت راسخة في الذاكرة.
وصدق الشاعر حين قال:
مرت سنون بالوصال وبالهنا
فكأنها من قصرها أيام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها
فكأنها وكأنهم أحلام
وكان محمد النهاري من قبيلة آل بنهار، وهي قبيلة ذات تاريخ معروف، وقد أثنى عليهم الشاعر مسعود بن مطارد بقوله:
وأولاد نهار حلوا العان
نار تاكل من قاربها
لما هدوا ليهم جمعه
وجديد الروم تحف بها
وقد عرفت أبا سعد محبًا للتراث والتاريخ، كريم المجلس، مشجعًا للباحثين، حريصًا على خدمة المؤلفات وإفادة طلاب العلم، وهي مآثر تبقى لأصحابها، ولا تضيع عند الله.
أما الأستاذ فهد بن مسعود المسردي، فقد عرفته باحثًا متثبتًا، واسع الاطلاع، حسن العبارة، شديد العناية بالروايات التاريخية. وقد توثقت علاقتي به أثناء إعداد رسالة الماجستير بعنوان «تاريخ القضاء في عهد الملك عبدالعزيز»، حيث أفادني بمعلومات مهمة عن القضاء في تثليث وجاش، ثم تكرر فضله أثناء إعداد رسالة الدكتوراه بعنوان «الجوانب الاجتماعية في البادية في عهد الملك عبدالعزيز»، فوجدته كما عهدته كريمًا في علمه، محبًا لخدمة الباحثين، لا يبخل بالمعلومة ولا يتأخر عن تقديم الفائدة.
وللأستاذ فهد جهود مشهودة في التأليف والكتابة في التاريخ والسير والتراث، وتميز بأسلوب يجمع بين دقة المعلومة وجمال العبارة، فجزاه الله خير الجزاء، وبارك في علمه وعمله.
ومقاله الموسوم بـ«محمد بن سعد النهاري: (كنت يومًا كان)» لم يكن مجرد رثاء، بل شهادة وفاء صادقة، رسم فيها صورة إنسانية وعلمية جميلة للراحل، وأبرز كثيرًا من خصاله الحميدة، فجاء المقال مؤثرًا، صادق الشعور، بعيدًا عن التكلف، مؤكدًا أن الوفاء من شيم الرجال.
ولا شك أن توثيق سير الرجال واستحضار مواقفهم من أعظم صور الوفاء؛ فهو يحفظ المآثر، ويعرّف الأجيال بأصحاب الفضل، ويؤكد أن الأثر الطيب يبقى وإن غاب أصحابه.
وقد صدق من قال:
وما الناس إلا هالكٌ وابن هالك
وذو نسبٍ في الهالكين عريق
ولكنها الأعمال تبقى لأهلها
ويُذكر بالإحسان من هو راحل
فرحم الله الشيخ عبيد النهاري «أبا مذكر»، ورحم الله المؤرخ محمد بن سعد النهاري، وجزاهما عن العلم وأهله خير الجزاء، وحفظ الله الأستاذ فهد بن مسعود المسردي، وبارك في علمه وقلمه، ونفع به.
وما أحوج الباحثين وطلاب العلم إلى أمثال هذه النماذج التي تجمع بين العلم والخلق والوفاء، وتؤمن بقيمة التوثيق، وتحفظ التاريخ بعيدًا عن التعصب وطلب الظهور، فبمثل هؤلاء تُصان الذاكرة، وتُحفظ الرواية، وتبقى القدوات حاضرة في وجدان الأجيال.



