كتاب الرأي

صراع الفطرة مع ملوثات المجتمع

✍️ علي عبدالرحمن الحربي – كاتب سعودي :

⁠تخيل معي هذا المشهد :
أرض فسيحة في وسطها قصر منيف يسكنه المليونير الثري وعائلته الكريمة . وفي مكان قصيّ من تلك الأرض مبنى صغير يعيش فيه الحارس وأسرته الصغيرة
– في كلا السكنين طفل في الثالثة من عمره -ابن الثري و ابن البواب – يلتقيان فيلعبان و قد يتشاجران ثم يسقط الخلاف بينهما في أقل من نصف دقيقة . و ربما رأيتَ ابن البواب يغادر غاضبا فيتبعه ابن الثري يستعيده برجاء ليستكملا ما كانا فيه من لهو ..ولعل مثل هذا السلوك يصدر من ابن البواب تجاه ابن الثري يسترضيه و يتبعه ليمارسا ما كانا فيه من نشاط .
– إنه مشهد مألوف لسلوك طفلين ليس فيه ما يثير الدهشة .
ولك أن تسرح بخيالك لتضيف إلى مشهدنا هذا ما شئت من صور .
– لكنني أدعوك الآن لتتوقف عن متابعة هذا المشهد الوردي لتتخيل أن الطفلين قد مضى بهما العمر فأصبحا رجلين في منتصف الثلاثينات .
– ⁠أخذ ابن الثري مقعد أبيه في التجارة و احتلّ ابن البواب مكان والده في الحراسة .
– هنا لم يعد من حق ابن البواب أن يخاطب ابن الثري باسمه المجرد فلا بد أن يسبقه بلقب يا عم أو يا أستاذ
– لم يعد لابن البواب القدرة على وضع يده على كتف ابن الثري .ولا أن يشاركه الطعام ولا أن يختلف معه كما كان قبل ُ
– على ابن البواب أن يكون حذراً في التعامل مع ابن الثري فلا يغضبه بقول أو فعل بل و عليه أن يرسل كثيراً من كلمات الاعتذار و التأسف لما يمكن أن يُفسّر من لفظه أو سلوكه بأنه تجاوز غير مقبول

– من المؤسف القول إن مشهدنا هذا مألوف أيضاً كالمشهد الأول وليس فيه ما يثير الدهشة .

– إنهما الشخصان ذاتهما ، فما الذي جرى ؟
لسنا بحاجة لدراسة كثير من كتب علم النفس و الاجتماع لمعرفة السبب .
– الذي حصل أن ابن الثري تشبع بثقافة طبقة الأثرياء و تشبع ابن الحارس بثقافة طبقة البوابين . فنشأت بينهما مسافة بصورة تلقائية صامتة .
– إن ثقافة المجتمع تدخلت في تشويه ذلك المشهد الوردي الأول فلوّنته بلون قاتم بغيض .
– ⁠السلوك في المشهد الأول فطري فردي
و لكنه في الثاني ثقافي مجتمعي .

أخيراً :
احموا فطركم من ملوثات المجتمع

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى