المثالية داء والإعتدال الدواء

✍️أروىٰ بنت مسلط العتيبي- كاتبة سعودية :
يسعى الإنسان بطبيعته إلى الكمال ويتطلع إلى أن يكون الأفضل في كل جانب من جوانب حياته وهذا الطموح محمود ما دام يدفع إلى التقدم والإتقان لكن حين يتحول السعي إلى الكمال إلى هوس لا يقبل الخطأ ولا يرضى إلا بالنتائج المثالية يصبح عبئًا ثقيلًا يرهق النفس ويعطل الإنجاز فالمثالية المفرطة ليست علامة قوة دائمًا بل قد تكون داءً يسرق راحة الإنسان ويحرمه لذة المحاولة ومن أبرز مظاهر هذا الداء الوقوع في ما يعرف بقاعدة صفر أو مئة حيث يرى الإنسان الأمور بمنطقٍ لا يعترف إلا بالطرفين فإما نجاح كامل أو فشل ذريع وإما إنجاز لا تشوبه شائبة أو لا قيمة له أصلًا فإذا أخطأ في خطوة ظن أنه خسر الطريق كله وإذا لم يبلغ الكمال عد نفسه مقصرًا فيعيش أسيرًا لهذا التفكير الذي يحرمه رؤية التقدم الحقيقي ويغفل أن الحياة ليست أبيض أو أسود بل درجات يتعلم فيها الإنسان وينمو مع كل تجربة والمثالي يضع لنفسه معايير عالية قد تتجاوز حدود الواقع فيعيش في سباق لا نهاية له يؤجل أعماله خوفًا من ألا تخرج بأفضل صورة ويقسو على نفسه أكثر مما يقسو عليه غيره وهكذا تتحول الرغبة في التميز إلى مصدر للقلق والتردد والإرهاق أما الاعتدال فهو الدواء الشافي الذي يجمع بين الطموح والطمأنينة فالإنسان المعتدل يسعى إلى الإتقان لكنه يدرك أن الخطأ جزء من التعلم وأن النقص طبيعة بشرية وأن الإنجاز المتدرج خير من انتظار الكمال الذي قد لا يأتي هو لا يقيس نجاحه بمنطق الصفر أو المئة بل يقدّر كل خطوة تقرّبه من هدفه ويؤمن بأن التقدم المستمر ولو كان يسيرًا خير من الوقوف انتظارًا للمثالية لقد أرشدنا الإسلام إلى هذا المنهج المتوازن فدعا إلى الإحسان والإتقان ونهى عن الغلو والتشدد لأن خير الأمور أوسطها ولأن النفس تحتاج إلى التوازن حتى تستقيم حياتها فليس المطلوب أن يكون الإنسان كاملًا وإنما أن يكون صادق السعي حسن العمل ومستمرًا في التطور إن كثيرًا من الفرص تضيع بسبب انتظار اللحظة المثالية وكثيرًا من الأحلام تتأخر لأن أصحابها يخشون التجربة بينما الذين ينجحون حقًا هم أولئك الذين يبدأون ويتعلمون ويصححون مسارهم مع الزمن حتى يبلغوا أهدافهم وفي النهاية يبقى الاعتدال هو الدواء الذي يحرر الإنسان من قيود المثالية ويمنحه راحة القلب وصفاء الفكر واستمرار العطاء فليس النجاح في أن تكون بلا خطأ وإنما في ألا تجعل الخوف من الخطأ يمنعك من التقدم وعندما ندرك أن الكمال لله وحده وأن الحياة لا تُقاس بمنطق صفر أو مئة بل بمقدار ما نخطوه من خطوات صادقة نحو الأفضل يصبح الطريق إلى النجاح أكثر سكينة وتغدو الحياة أوسع من أن نحاصرها بقيود المثالية وتتضح لنا الحكمة التي تجعل من الاعتدال سبيلاً للنمو الدائم والمثالية عائقاً يتوجب تجاوزه لضمان الاستمرارية والرضا النفسي .
للتواصل: [email protected]



