
زاوية سلسلة ” غابة الذئاب “
✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني :
داخل قصر الجد العقيد – بالجناح الخاص
يجلس الجد العقيد على كرسيه المتحرك ذي المقبض الفضي بجانب نافذة ضخمة تطل على حدائق القصر الشاسعة. يمسك بيده فنجان قهوة دافئاً، وعيناه الصقريتان تراقبان الحركة في الخارج. يقف خلفه بمحاذاة الباب مساعده الوفي “جوزيف”، بملامحه الجادة والهادئة كالعادة.
جوزيف (بنبرة منخفضة ومحترمة): سيدي العقيد… الوضع في الخارج مربك للغاية منذ ليلة أمس. العاصفة التي أحدثتها عودتك لم تهدأ بعد، والهمسات بدأت تتحول إلى تحركات مريبة.
(يلتفت الجد العقيد برأسه ببطء، دون أن تفارق عينيه نظرة التحدي).
الجد العقيد (بنبرة رخيمة وحازمة): ومنذ متى كانت العواصف تخيفنا يا جوزيف؟ الذئاب تعوي عندما تشعر بوجود الصياد، وهذا ما أردته تماماً.
جوزيف (يتقدم خطوة، وتظهر علامات القلق على وجهه): أعلم ذلك يا سيدي، ولكن الأمر هذه المرة مختلف. الأرملة السوداء لن تبتلع هذه الخدعة بسهولة. رجالها يتحركون في الظل، وهناك تقارير تشير إلى أن مدينة الأبراج لم تعد آمنة كما كانت. لذلك… اضطررنا لفرض حراسة مشددة وغير مسبوقة حول القصر. لا أحد يدخل أو يخرج دون تفتيش دقيق. حياتك في خطر حقيقي يا سيدي.
(يضع الجد العقيد فنجان القهوة على الطاولة المجاورة بقوة خفيفة، لكنها أحدثت رنيناً قاطعاً في الغرفة. تتغير ملامحه، وتشتعل عيناه بغضب مكتوم يمتزج بكبرياء جريح).
الجد العقيد (بحدّة وعزة نفس): حراسة مشددة؟! لحمايتي أنا؟! (يضغط على مسندي كرسيه الفضي وهو ينظر إلى جوزيف) هل ظننتَ أن هذا الكرسي جعل مني عجوزاً خائفاً ينتظر الموت خلف الأسوار؟ من الذي تجرأ وأعطى هذا الأمر؟ من يظن نفسه ليضع العقيد في قفص من الحراس؟!
جوزيف (يطأطئ رأسه قليلاً إجلالاً لكبريائه وثورته): سيدي، لم يكن القصد الإساءة لكبريائك، بل هو الحذر من غدر الأرملة السوداء. أما الأمر… فهو قرار مشترك صدر من زعماء العراب “آل السامر”… وبتأييد مباشر وأمر حازم من ابنك، “المسامر”.
(يسكت الجد العقيد لبرهة، تتقلص ملامحه الحادة، وتتحول نظرة الغضب إلى نظرة تأمل عميقة ومزيج غريب من الرضا المكتوم والكبرياء).
الجد العقيد (يخفّض نبرته لكنها تظل قوية): المسامر؟ وزعماء العراب؟ (تلوح على شفتيه ابتسامة ساخرة خفيفة) إذن.. بدأوا يتصرفون كرجال مافيا حقيقيين في غيابي. ظنوا أن الأرملة السوداء ستلتهم شيخهم في معقله.
جوزيف: المسامر كان واضحاً يا سيدي.. قال إنك خضت حروبك وربحتها، والآن دورهم لحمايتك وفرض هيبة آل السامر في مدينة الأبراج، حتى لو كلّفهم ذلك مواجهة مفتوحة مع الأرملة.
(ينظر الجد العقيد إلى الأفق، وتتغير نبرة صوته لتصبح أكثر عمقاً وغموضاً، كمن يسترجع ماضياً سحيقاً).
الجد العقيد (بهمس حاد): الحراسة التقليدية لن تنفع معها يا جوزيف.. فهم لا يعرفون من يواجهون. المسامر والزعماء يظنونها مجرد رئيسة عصابة طامعة، لكنهم يجهلون أنها سُلافة.. زوجتي السابقة التي ظن الجميع أن الموت قد طواها!
(يصاب جوزيف بالذهول لثوانٍ، ورغم معرفته ببعض الأسرار، إلا أن سماع الاسم من فم العقيد يعيد فرز الأوراق).
الجد العقيد (يتابع وعيناه تلمعان بتحدٍّ قديم): عودتها من الموت لم تكن إلا لتصفية حسابات قديمة معي. سُلافة لا تفكر بأسلوب المافيا التقليدي، إنها تعشق اللعب خارج الصندوق.. تضرب في المكان الذي تطمئن فيه، وتأتي من الباب الذي تظنه مغلقاً بالأقفال. الحراس المشددون عند البوابات هم مجرد أهداف سهلة لذكائها.
جوزيف (بحذر): إذن سيدي.. ما العمل إذا كانت تعرف كل تفاصيل هذا القصر وتفكيرك؟
(يمسك الجد العقيد فنجان قهوته مجدداً، ويرتسم على وجهه الكبرياء الصارم):
الجد العقيد: أخبر المسامر.. العقيد لا يحميه الحراس، العقيد يحميه تاريخه. وإذا كانت سُلافة تفكر خارج الصندوق.. فليتذكر الجميع أنني أنا من صنع الصندوق الذي خرجت منه!
جوزيف (بحذر): ماذا تقصد أيها العقيد؟
العقيد (يبتسم قائلاً): سأحضر مفاجأة لسُلافة.
يُتبع…
[email protected]



