{وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ}.. هندسةُ الإيماءةِ وجنايةِ اللَّفظ

زاوية: جمعتنا آية
✍️حسن المقصودي-كاتب سعودي:
تمنحنا الحياة اليومية فائضاً من الكلمات، ونوافذ ممتدة من التواصل، لكنها في المقابل تختبر يقظتنا الأخلاقية في أدق تفاصيل السلوك. حين نمر بالآية الكريمة: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ}، فإننا لا نقف أمام مجرد تحذير عابر، بل أمام تشريح عميق للنفس البشرية حين تفقد بوصلة الجمال، وتستسهل العبث بكرامة الآخرين عبر تفاصيل صغيرة، قد تبدو عادية، لكنها محملة بآثار بليغة.
مَجازُ الإيماءة.. وطعناتُ الظِّلال
حين حلل البيان القرآني سلوك الهمز، لم يتوجه إلى الأفعال الضخمة، بل التفت إلى الهندسة الخفية للتعامل اليومي. الهمز هو ذكاء سلبي يمارسه الإنسان بلغة الجسد؛ غمز بالعين، أو التواء بالشفاه، أو إيماءة حاجب عابرة تلخص سخرية مبطنة في غياب الآخر أو حتى في حضوره.
إنها جناية الظلال حيث يطعن الإنسان هيبة أخيه دون أن يترك دليلاً ملموساً، متدثراً بذكاء اجتماعي مشوه يظن صاحبه أنه يمنحه التميز، بينما هو في الحقيقة يمارس قسوة ناعمة تُهشم الود، وتجعل المجالس حقولاً ملغومة بسوء الظن والتوتر المكتوم.
منصاتُ الصَّوت.. واللَّمزُ المُعاصر
أما اللمز، فهو الانتقال من الإشارة الخفية إلى الإشهار اللفظي، حيث تصبح الكلمة مشرطاً يجرح دون وعي. وفي عصرنا الحداثي، لم يعد اللمز حبيس المجالس الضيقة والبيوت المغلقة، بل امتد ليتخذ أشكالاً رقمية عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ في تعليق ساخر، أو تهكم مبطن، أو محاولة لتأطير الآخرين داخل قوالب من التنمر والنقص.
إن الكلمة في المفهوم القرآني كائن حي، لها ثقل ومسؤولية؛ فإما أن تكون جسراً للعبور نحو التفاهم والتعاضد، أو تصبح معولاً يهدم جدار الثقة بين أفراد المجتمع، ويحول الاختلافات الفطرية بين البشر إلى مادة للتندر وإشعال فتيل الفرقة.
وهمُ الاستعلاء.. ورأسُ المالِ الرمزي
يربط السياق القرآني في السورة ذاتها بين هذا السلوك ومفهوم الامتلاك: {الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ}. وهنا يكمن الذكاء في الطرح الاجتماعي؛ فالإنسان حين يمتلك امتيازاً ما سواء كان مالاً، أو نفوذاً، أو حتى مكانة اجتماعية ورمزية قد يقع في فخ وهم الاستعلاء.
يظن هذا الكائن المغتر بامتيازه أن تفوقه المادي يمنحه الحصانة أو الحق في تصنيف الآخرين والتقليل من شأنهم. إنه يعوض فقر الروح بكثرة العَدد، ويحاول بناء مجده الشخصي على أنقاض التقليل من كرامة من حوله، ناسياً أن القيمة الحقيقية للمرء تُقاس بمدى اتساع قلبه لا بمدى ضخامة أرقامه.
خاتمةُ الأثر: صياغةُ المَسافةِ الآمنة
إن جمعتنا آية هذا الأسبوع هي دعوة لإعادة صياغة المسافات الإنسانية بيننا، ولتأمل المرايا الأخلاقية التي نرى فيها أنفسنا والآخرين. إنها نداء رقيق وبليغ لنتعلم كيف نجعل من حضورنا أماناً للآخرين، ومن غيابنا صيانة لعهد المروءة.
الجمال الحقيقي يبدأ حين نطهر كلماتنا من اللذع، ونحمي نظراتنا من الغمز، ونرتقي بالمجالس لتكون مساحات للإلهام والدعم البشري. لنعبر هذه الحياة بخفة، ولنترك خلفنا أثراً طيباً يزهر في قلوب الناس، متذكرين دائماً أن الكلمة الطيبة هي الرمز الخالد الذي لا يفنى، وأن طهارة السريرة هي الحصن الأجمل لإنسان هذا العصر.
والسلام ؛؛؛
للتواصل : [email protected]



