
سلسلة ” غابة الذئاب “
✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني :
الضباب في المدينة الغائمة لم يكن مجرد طقس، بل كان ستاراً يحجب ما هو قادم. فوق مهبط الطائرات الخاص، هبطت الطائرة النفاثة السوداء بسلاسة تحبس الأنفاس.
انفتح الباب الهيدروليكي، وخرجت منه الأرملة السوداء (سلافة)، كانت ترتدي معطفاً جلدياً طويلاً يلامس كاحليها، وتضع نظارة سوداء أخفت عينيها اللتين تحملان شرار جحيم دام عشرين عاماً. خلفها كان صقر يتحرك كظلها، ويده قريبة من سلاحه، ترقباً لأي غدر.
كانت بانتظارهما سيارتان دفع رباعي سوداوتا اللون، استقلت الأرملة السوداء وصقر إحداهما وانطلقوا.
قال صقر بحذر شديد وهو ينظر إلى الطريق ويلتفت إلى السائق بريبة:
— لست مرتاحاً نهائياً أيتها الأرملة السوداء.
نفتت الأرملة السوداء دخان سيجارتها وبكل هدوء أجابته:
— هدئ من روعك يا صقر، مهما كان الذي نحن بضيافته، فهو أخي، ولن يجرؤ على الغدر بي… — أخذت نفساً عميقاً من سيجارتها ونفثته مسترسلة: — على الأقل…. هذه المرة.
قصر البارون
وقفت السيارتان داخل أسوار القصر ، حيث كان رجاله يقفون بملابسهم الرسمية السوداء، يشكلون ممرّاً آمناً ضخماً، وفي نهايته وقف البارون مستنداً إلى عصاه ذات المقبض العاجي، وعلى وجهه ابتسامته الثعلبية المعتادة. لم تكن نبرته تخلو من سخرية مبطنة وهو يقول:
— أهلاً بأختي العزيزة.. العائدة من المقابر، لم أكن أعلم أن رمال صحراء (قمرة) يمكن أن تلفظ الأشباح بعد كل هذه السنين.
أزاحت سلافة نظارتها ببطء، وتقدمت منه بخطوات واثقة قائلة:
— الرمال لا تدفن إلا الضعفاء يا بارون.. أما العناكب، فتختبئ في الشقوق حتى يحين وقت لدغتها القاتلة.
رد البارون وعيناه تلمعان:
— ولهذا وجب التعامل معكِ بحذر.
داخل قاعة الاستقبال، أشار البارون بيده إلى ليليان بأن تجعل الجميع ينصرفون، وبقي هو وسلافة وصقر وليليان في القاعة. سكب البارون كأساً من الماء البارد وقدمه إليها، لكنها لم تلتفت إليه، بل اتجهت مباشرة نحو الخريطة الرقمية المعروضة على الشاشة العملاقة في صدر القاعة.
التفت البارون ببرود وقال:
— علمتُ أنكِ بدأتِ تحركاتكِ بأموال مزورة وضخ خطير في السوق السوداء، وتخلصتِ من مدير كريستال.. لكن اللعب مع آل السامر في عقر دارهم (مدينة الأبراج) ليس نزهة. العقيد عاد من الموت، والمسامر لن يهدأ له بال إلى أن يمسك بخيوطكِ.
ضحكت سلافة ضحكة باردة تردد صدى صوتها في أرجاء القاعة:
— المسامر؟ ذلك الفتى الذي لا نعلم إن كان هو ابن العقيد حقاً أم لا؟
ابتسم البارون بدهاء:
— نعم، إنه ابنه الذي أنجبه من غريمتكِ بعد أن طلقكِ.
احمرّ وجه سلافة وبغضب صاحت:
— اصمت! لا تجعلني أستشيط غضباً. أنا هنا ليس لألعب يا بارون.. أنا هنا لأستعيد منظمة (الذئب الأسود) التي بنيتها بدمي وعقلي قبل أن يغدر بي زوجي السابق، العقيد.
ضيق البارون عينيه، وضرب بعصاه على الأرض:
— عليكِ أن تعلمي جيداً أنني أنا من أخبر العقيد بأنكِ رجعتِ، وكان هذا كفيلاً ليخرج من أبواب السجن ليواجهكِ.
اقتربت سلافة منه حتى أصبحت المسافة بينهما شبراً واحداً، وهمست بنبرة كفحيح الأفاعي:
— أنت أخي غير الشقيق.. وأنا أعلم أنك لا تملك ولاءً لأحد سوى لنفسك. أنت تريد أن نضرب بعضنا لتلتهم الساحة وحدك.. أليس كذلك؟
تلاشت ابتسامة البارون، وحلّ مكانها جمود حذر، فتابعت سلافة بثقة:
— عودة العقيد للحياة تعني شيئاً واحداً؛ أن موته يجب أن يكون بطيئاً.
صمت البارون لبرهة، يتأمل ملامح أخته التي غيرتها السنون وزادها الحقد قوة، ثم تراجع خطوة إلى الخلف وضحك بنبرة خبيثة:
— قدومكِ هنا ليس لإلقاء التحية عليّ… إذن.. ما هو عرضكِ يا سلافة؟
ابتسمت سلافة ابتسامة نصر غامضة، وأشارت إلى صقر الذي تقدم حاملاً حقيبة سوداء مشفرة، وضعتها على الطاولة وفتحتها لتبهر عيني البارون بملفات ووثائق سرية للغاية، وقالت:
— هذه تفاصيل حسابات مافيا العراب السرية، والشبكات والمنظمات الدولية التي لا يعرفها حتى المسامر نفسه. أريد أن نحاربهم ونوقع العقيد في الفخ، أريد أن أقتله بنفسي. وبمقابل هذا التعاون، سأستعيد قيادة منظمة الذئب الأسود، وأنت ستكون لك الساحة المالية والتجارية.
نظر البارون إلى الوثائق، ولمعت عيناه بالجشع والذكاء الشرير، ثم نظر إلى ليليان التي بادلته نفس الابتسامة، ثم مد يده نحو سلافة ليصافحها وقال بصوت خفيض:
— يبدو أن مدينة الأبراج ستشهد قريباً شلالاً من الدماء.. أنا معكِ يا سلافة، طالما أن رأس العقيد هو الثمن.
مدينة الأبراج
في أعلى قاعة ببرج (الكهف العاتم)، عرين منظمة الذئب الأسود، كانت أضواء مدينة الأبراج تتلألأ في الخارج عبر الواجهة الزجاجية الضخمة التي تمتد من الأرض إلى السقف. لكن تلك الأضواء البراقة لم تكن كافية لتبديد الظلمة المطبقة التي تعمّد المسامر أن يلف بها مكتبه الفاخر المليء بالشاشات الرقمية.
كان المسامر يقف صامتاً كتمثال من رخام، مولياً ظهره للباب ويداه متشابكتان خلف ظهره. كانت عيناه الحادتان تراقبان حركة السيارات في الأسفل كأنها خلايا نمل تسير بانتظام في غابة من الإسمنت والزجاج.
قاطع صمته المهيب صوت انزلاق الباب الإلكتروني بصفير خافت. التفت المسامر ببطء ليجد صديقه المقرب ديبوا يدخل بخطوات سريعة، حاملاً في يده جهازاً لوحياً مشفراً يعرض مؤشرات بيانية حمراء متسارعة.
قال ديبوا بنبرة قلقة حاول كتمانها وهو يقترب من المكتب:
— المسامر.. المؤشرات في السوق السوداء تزداد اضطراباً بشكل غير مسبوق. الأموال المزورة التي ضُخّت مؤخراً في الشرايين المالية للمدينة ليست مجرد عملية غسيل أموال عادية.. إنها عملية تخريبية ممنهجة لضرب استقرارنا المالي.
خطا المسامر خطوات هادئة نحو مكتبه، وجلس على مقعده الجلدي ببطء وثبات، ثم شبك أصابع يديه أمام وجهه، وعيناه تشعان بذكاء حاد ونظرات ثاقبة:
— مدير شركة كريستال لم يمت لسبب تافه يا ديبوا.. من تخلص منه كان يرسل رسالة واضحة، رسالة مكتوبة بالدم ليعلن عن وصوله.
ضغط ديبوا على جهازه اللوحي ليعرض البيانات الرقمية والخريطة على الشاشة العملاقة في المكتب وتابع:
— لقد تتبعنا خيوط العملية بدقة يا صاحبي.. كل الطرق والتحركات المريبة تؤدي إلى اسم واحد، اسم يتداوله قادة الظل الآن بهمس ورعب شديد.. الأرملة السوداء. التقارير تؤكد أنها من قلب صحراء (قمرة).
ضحك المسامر ضحكة قصيرة ساخرة، ضحكة باردة لم تصل إلى عينيه اللتين ظلتا كجمر مستعر:
— الأرملة السوداء؟ سلافة؟ زوجة أبي السابقة التي ظن الجميع أن رمال الصحراء قد ابتلعتها وطوت صفحتها منذ عشرين عاماً؟ هل تعتقد حقاً يا ديبوا أن امرأة وحيدة خارجة من المقابر يمكنها أن تهدد عرش منظمة (الذئب الأسود)؟
تقدم ديبوا خطوة إضافية للأمام، ووضع جهازه اللوحي على سطح المكتب بقوة ليؤكد جدية الموقف وقال بنبرة حاسمة:
— هذه التي تتحدث عنها كانت ستجهز علينا في ذلك الهجوم المباغت في مستودعات شركة كريستال، وهي ليست وحيدة يا سام، وهنا تكمن الكارثة! المدينة الغائمة… ونحن نعلم جيداً من يسيطر على تلك المدينة القذرة.. إنه البارون! إذا تحالفت الأرملة مع البارون، فنحن لا نواجه مجرد شبح ماضٍ.. نحن نواجه إعصاراً حقيقياً يهدف إلى هدم أبراج مدينة الأبراج.
ساد الصمت أرجاء المكتب لبرهة من الوقت. كان اسم البارون كفيلاً بجعل المسامر يعيد ترتيب أوراقه في عقله كلاعب شطرنج محترف؛ فالبارون ثعلب ماكر لا يفتح أبوابه لأحد إلا إذا شم رائحة الدم والسيطرة. وتزامن هذا مع الحدث الأكبر؛ ظهور والده العقيد المفاجئ وعودته هو الآخر من الموت. بدا للمسامر أن هناك خيوطاً غير مرئية تُحاك في الظلام لتوقع بآل السامر جميعاً في شبكة عنكبوت واحدة قاتلة.
وقف المسامر مجدداً بكبرياء وهيبة، وامتدت يده ليتناول سلاحه الشخصي الموضوع على سطح المكتب، ففحصه بلمحة سريعة قبل أن يضعه في غمده السري تحت سترته الرسمية، وقال بصوت منخفض وهادئ كهدوء ما قبل العاصفة المدمرة:
— إذا كانت تريد حرباً وتصفيات حسابات قديمة، فلها ما أرادت. أرسل رجالنا فوراً لتأمين الحماية القصوى الخاصة بالعقيد؛ أبي عاد من الموت، ولن أفقده مرة أخرى.
نظر إليه ديبوا بامتثال واحترام، ثم سأل ببرود وحذر:
— وماذا عن البارون؟ هل نرسل له عرضاً مالياً ضخماً يسيل له لعابه لنضمن حياده في هذه المعركة على الأقل؟
التفت المسامر نحو ديبوا بسرعة، وصوب نحو عينيه نظرة حادة كشفرة السيف جمدت الهواء في الغرفة، وقال بنبرة قاطعة كالرصاص لا تقبل الجدال:
— المسامر لا يشتري ولاء أحد يا ديبوا! والبارون أحقر من أن نتحالف معه، أو نعرض عليه فلساً واحداً من أموالنا ليرضى عنا، بل إن عليه حساباً قديماً يجب أن يسدده، فهو السبب في مقتل أبي مارك كوين. من يظن من هؤلاء الحثالة أنه يستطيع اللعب على الحبلين في مدينة الأبراج، سينتهي به المطاف مشنوقاً بذات الحبل الذي يلعب به.
عدل المسامر ياقة سترته السوداء بثقة مرعبة، وتابع وعيناه تتطلعان إلى الأفق:
— دعه يتحالف مع الأرملة السوداء كما يشاء.. فجمع الأفاعي في جحر واحد يسهل علينا سحق رؤوسها دفعة واحدة بضربة خاطفة. استعد يا ديبوا.. فالمعركة القادمة لن تبقي ولن تذر، والذئاب السوداء لن تنحني لأحد.
يتبع….
[email protected]



