كتاب الرأي

دور الأسرة نحو المراهق

✍️أ. بدرية سلطان المعجل- كاتبة سعودية :

تُعدّ مرحلة المراهقة من أكثر المراحل العمرية حساسيةً وتأثيرًا في تكوين شخصية الإنسان، إذ تشهد تحولات متسارعة على المستويات الجسدية والنفسية والعاطفية والفكرية، تجعل المراهق يعيش حالة من التذبذب بين الطفولة والرشد، وبين الحاجة إلى الاستقلال والرغبة في الاحتواء. وفي خضم هذه التغيرات، تبرز الأسرة بوصفها الحاضنة الأولى، والمرتكز الأهم في تشكيل وعي المراهق وسلوكه واتجاهاته، فهي ليست مجرد إطار اجتماعي يجمع الأفراد، بل منظومة تربوية متكاملة تُسهم في غرس القيم، وتشكيل الهوية، وبناء التوازن النفسي والانفعالي.

وتكمن أهمية الأسرة في قدرتها على احتواء المراهق خلال هذه المرحلة الحرجة، وفهم طبيعة التحولات التي يمر بها دون تهويل أو تجاهل. فالمراهق لا يحتاج فقط إلى الرعاية المادية، بل إلى احتواء نفسي وعاطفي يشعره بالأمان والانتماء، ويمنحه مساحة للتعبير عن ذاته دون خوف من الرفض أو التقليل من مشاعره. فكلما شعر المراهق بأن أسرته تمثل له ملاذًا آمنًا، قلّ انجذابه نحو مصادر خارجية قد لا تقدم له التوجيه السليم.

ومن أبرز أدوار الأسرة توفير بيئة أسرية مستقرة تقوم على المودة والرحمة والاحترام المتبادل، لأن الاستقرار الأسري ينعكس بصورة مباشرة على الصحة النفسية للمراهق. فالخلافات المستمرة، أو غياب الدفء العاطفي، أو التفكك الأسري قد تترك آثارًا عميقة في نفسيته، وتدفعه إلى الانعزال أو التمرد أو البحث عن الانتماء في بيئات غير آمنة. لذلك فإن دفء الأسرة ليس رفاهية تربوية، بل ضرورة لبناء شخصية سوية ومتوازنة.

كما يمثل الحوار الواعي ركيزة أساسية في العلاقة بين الأسرة والمراهق. فالمراهق بطبيعته يميل إلى التساؤل والبحث وإعادة النظر في كثير من المسلمات، وهنا تبرز أهمية الإصغاء إليه باحترام، وفتح مساحات للنقاش الهادئ بعيدًا عن أسلوب التسلط أو الإلغاء. إن الحوار الحقيقي لا يعني مجرد إعطاء التعليمات، بل يعني الإنصات، وفهم الدوافع، ومناقشة الأفكار، وتقديم التوجيه بأسلوب يقنع العقل ويطمئن القلب. وعندما يشعر المراهق بأن صوته مسموع، يصبح أكثر تقبلًا للنصح وأقل ميلًا للمواجهة والعناد.

ولا يقل التوجيه السلوكي المنضبط أهمية عن الحوار، إذ تحتاج مرحلة المراهقة إلى حدود واضحة تضبط السلوك وتحفظ التوازن بين الحرية والمسؤولية. فالإفراط في الصرامة قد يولد التمرد، كما أن التساهل المفرط قد يفتح الباب للفوضى والانفلات. والتربية المتزنة هي التي تجمع بين الحزم واللين، وبين الوضوح والمرونة، فتُعلّم المراهق أن الحرية الحقيقية لا تنفصل عن المسؤولية والانضباط الذاتي.

ومن الجوانب الجوهرية كذلك القدوة الحسنة، فالأبناء يتعلمون مما يرونه أكثر مما يسمعونه. لذلك فإن سلوك الوالدين اليومي، وطريقة تعاملهم مع الضغوط والخلافات، وأسلوبهم في احترام الآخرين، والتزامهم بالقيم والمبادئ، كلها رسائل تربوية صامتة لكنها شديدة التأثير. فالأسرة التي تُجسد الصدق، والرحمة، والانضباط، والاتزان، تغرس هذه المعاني في نفوس أبنائها بصورة طبيعية وعميقة.

كما أن من مسؤوليات الأسرة تنمية مهارات المراهق واستثمار طاقاته، فمرحلة المراهقة تزخر بطاقة كبيرة إذا وُجهت بصورة صحيحة أصبحت مصدر إبداع وإنجاز، وإن تُركت دون توجيه قد تتحول إلى سلوكيات سلبية أو اندفاعات غير محسوبة. لذا فإن تشجيع المراهق على ممارسة الرياضة، والانخراط في الأنشطة الاجتماعية، وتطوير الهوايات، والقراءة، والمبادرات التطوعية، كلها وسائل تسهم في بناء شخصية ناضجة ومتوازنة.

ولا يمكن إغفال التحديات المعاصرة التي فرضتها الثورة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح المراهق معرضًا لكم هائل من الأفكار والسلوكيات والقيم المتباينة. وهذا يجعل دور الأسرة اليوم أكثر تعقيدًا وأهمية؛ إذ لم يعد دورها مقتصرًا على التوجيه المباشر، بل امتد إلى بناء الوعي النقدي لدى الأبناء، وتعليمهم مهارة التمييز بين النافع والضار، وتعزيز الرقابة الذاتية بدلًا من الاكتفاء بالرقابة الخارجية.

وفي الختام، فإن الأسرة ليست مجرد مرحلة عابرة في حياة المراهق، بل هي الجذر الذي يستمد منه ثباته واتزانه. وكلما كانت الأسرة أكثر وعيًا، وأعمق فهمًا لاحتياجات هذه المرحلة، وأقدر على الموازنة بين الحب والحزم، وبين الحرية والمسؤولية، نشأ المراهق أكثر نضجًا ووعيًا، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة بثقة، ليصبح فردًا صالحًا يسهم في بناء مجتمعه ووطنه .

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى