
زاوية سلسلة ” غابة الذئاب :
✍️سمير الشحيمي-كاتب عماني:
الإضاءة خافتة، الرياح تضرب زجاج النوافذ الضخمة للفيلا التي تتربع على تلة مطلة على صحراء قمرة مخالطة رمالها. تجلس الأرملة السوداء خلف مكتبها، ملامحها هادئة كهدوء ما قبل العاصفة، ترتدي فستاناً أسود أنيقاً وتتأمل كأساً بين يديها. يفتح الباب فجأة، ويدخل صقر بخطوات سريعة.
الأرملة السوداء دون أن ترفع رأسها، وبنبرة باردة:
”أرى أنك قد عدت سالماً من السفر يا صقر.. يبدو أنك متوتر أيضاً. ما الأخبار؟”
يقترب صقر من المكتب، وينحني قليلاً باحترام متحدثاً بارتباك:
”سيدتي، الأمر أكبر من مجرد أخبار، لقد عدت للتو من مدينة الأبراج، ولدي أخبار لن تسعدك.”
ترفع الأرملة السوداء عينيها ببطء، وتنظر إليه بحذر:
”تكلم.. لا أحب المقدمات الطويلة، هل دُفن العقيد وانتهى أمره؟”
يأخذ صقر نَفساً عميقاً:
”سيدتي.. العزاء أُلغي، والتابوت فارغ! الجد العقيد لم يمت في السجن ولم تصبه سكتة قلبية، إنه حي بكامل هيبته وقوته، ووقف أمامنا وسط القاعة على كرسيه المتحرك وسط دهشة الجميع. العقيد لم يمت يا سيدتي.. العقيد حي يرزق!”
تتصلب الأرملة السوداء مكانها، وتضع الكأس ببطء:
”ماذا تقول؟ هل تقصد أن…؟”
يقاطعها صقر بيقين:
”كانت مجرد مسرحية هزلية أُخرجت بدقة عالية، قصة موته والجنازة كانت غطاءً لتهريبه. لقد رأيت العقيد بعيني وهو يفاجئ الجميع بأنه حي يرزق وما زال يتنفس.”
تنهض الأرملة السوداء ببطء، وتلتفت نحو النافذة المطلة على الصحراء، وتمرر يدها على وجهها والتفكير يملأ رأسها:
”مسرحية؟! إذن، لقد خدع الجميع.. وخدعنا نحن أيضاً، هذا يعني أن اللعبة لم تنتهِ، بل بدأت الآن فقط.”
تناولت كأسها وأكملت الشراب، وعيناها سرحتا بين كثبان الرمال.
[ فوق السحاب ]
الأجواء هادئة داخل مقصورة الطائرة الخاصة الفاخرة، صوت المحركات يبدو خافتاً في الخلفية. يجلس البارون على مقعد جلدي وثير، ويدخن سيجاره بهدوء، بينما تجلس أمامه مساعدته ليليان وهي تتصفح جهازاً لوحياً.
ينفث البارون دخان سيجاره، وينظر إلى الغيوم من النافذة:
”هل رأيتِ وجوههم في الجنازة يا ليليان؟ الجميع تفاجأ بعودة العقيد حياً يرزق وأولهم ابنه المسامر.”
ترفع ليليان رأسها عن الجهاز بابتسامة ساخرة:
”بالتأكيد يا سيدي، لقد كانت الجنازة أشبه بعرض مسرحي ممتاز الإخراج.”
يهز البارون رأسه موافقاً، وتلمع عيناه بذكاء:
”بالتحديد! العقيد رجل داهية، لا يموت بهذه السهولة، لقد صدم الجميع. الآن ما هي ردة فعل الأرملة السوداء؟”
ليليان:
”ما قصتها مع الجد العقيد؟ وأنت كذلك تهتم لأمرها كثيراً وكأنك — اسمح لي على هذه الكلمة — تخشاها.”
البارون:
”الأرملة السوداء ليست مجرد امرأة عابرة في حياتي أو حياة الجد العقيد، إنها تمثل الجحيم بذاته إن صح التعبير.”
تغلق ليليان جهازها اللوحي، وتميل للأمام باهتمام:
”إذن، أنت تعتقد أن هناك حرباً قادمة؟ وما هو دورنا فيها؟”
يبتسم البارون ابتسامة غامضة:
”دورنا هو المراقبة من بعيد يا ليليان، عندما يتعب الجميع.. سننزل نحن إلى الساحة ونأخذ كل شيء.”
ونفث دخان سيجارته بقوة مشكلاً سحاباً يخالط سحاب السماء من نافذة الطائرة.
مدينة الأبراج
داخل المكتب في فيلا الجد العقيد، الأجواء مشحونة. يجلس الجد العقيد في المقعد الرئيسي المتصدر للمكتب بكبرياء، يضع يديه على مسندي كرسيه المتحرك ذي المقبض الفضي كملك على عرشه. يجلس أمامه السيد وارث على مقعد جلدي فخم وعيناه تقطران غضباً مكتوماً، وإلى جانبه يقف السيد أسد بمظهر الواثق. يقف المسامر شامخاً خلف والده العقيد، بينما يجلس السيد مؤيد والسيد قتادة والسيد عارم في زاوية الغرفة.
ينظر الجد العقيد إلى الحضور بنظرة صقرية حادة، وينقر بإصبعه على مكتبه الضخم مرحباً بهم في بيته:
”أهلاً بكم.. أعلم أن الضيافة اليوم غريبة، وأن القهوة امتزجت بصدمة الموت والبعث، ولكن الجدران لها آذان، وكان لا بد من مكان آمن لنضع فيه النقاط على الحروف.”
يتكأ السيد وارث للأمام، ورغم جلوسه في مقعد الضيف إلا أن نبرته حملت سلطة القائد الأعلى للمنظمة:
”بيتك عامر يا عقيد، وهيبتك في هذه المنظمة محفوظة ولا ينكرها أحد، ولكن.. أن تحول كبار العائلة وقادة المنظمة إلى دمى في مسرحية هزلية أمام الخدم والخصوم، فهذا تجاوز كبير لحدودك وتعدٍّ صريح على هيبة مافيا العراب آل السامر!”
يخطو السيد أسد خطوة للأمام، واضعاً يديه في جيبيه، ويتحدث بنبرة متهكمة ممتزجة بالاحترام المصطنع:
”السيد وارث محق يا عقيد، نحن نتفهم دهاءك، ولكن خروجك من السجن بهذه الطريقة، وعقدك لصفقات غامضة مع البارون دون علمنا، يعد خروجاً عن طاعة المنظمة وقوانينها!”
يندفع المسامر خطوة للأمام متحدثاً بنبرة حادة مدافعاً عن والده:
”أبي لم يخرج عن طاعة أحد! لولا هذا الدهاء وهذه الخدعة لكان العقيد اليوم جثة حقيقية في كفن السجن، بدلاً من محاسبته في بيته، كان الأجدر بكم التفكير في كيفية حمايته!”
يرفع السيد وارث سبابته بحدة قاطعاً كلام المسامر، ويوجه نظراته الصارمة نحو العقيد مباشرة:
”الزم حدودك يا مسامر، الكبار يتحدثون هنا!.. اسمعني جيداً يا عقيد؛ احترامي لمقامك وتاريخك…”
يبتسم الجد العقيد ابتسامة هادئة تحمل في طياتها هيبة السنين، ويميل برأسه باحترام ذكي:
”أعلم ذلك جيداً يا سيد وارث، وأنا أول من يحترم مقامك وسلطتك كقائد للمنظمة، لم يكن الأمر تمرداً، بل كان مناورة سريعة لأخرج من السجن بعد كل هذه السنين وأنا خلف القضبان…لإسباب انتم تعلمونها”
ثم تغير صوت الجد العقيد إلى الحزم قائلاً:
”… لكن مع ذلك، أنت تعرف جيداً أنني لا أستشير أحداً عندما أقرر ما أفعله وأراه مناسباً، ومهما كان الشخص الذي أشد يدي عليه، حتى ولو كان الشيطان نفسه.”
يتنحنح السيد قتادة محاولاً كسر الجمود وتخفيف حدة الموقف:
”السيد وارث.. السيد العقيد عاد إلينا، وهذه قوة ضاربة لا يُستهان بها، الأهم الآن هو أن نعيد لملمة منظمتنا ونكون أقوى ضد أي تيار معادٍ.”
ويلتفت السيد أسد إلى وارث بابتسامة خبيثة ونظرة ذكية:
”قتادة محق يا سيد وارث..”
يصمت السيد وارث للحظات، يوزع نظراته بين السيد أسد والعقيد، ثم يتراجع لمقعده:
”السؤال الذي يحيرني: لماذا خرجت من السجن في هذا التوقيت بالذات، وأنت تستطيع فعلها منذ سنوات طويلة مضت؟”
ينظر الجد العقيد إلى المسامر ثم قال:
”بني، اتركني مع القادة قليلاً.”
ينظر المسامر إلى الجد العقيد بنظرة شك:
”لماذا؟ ما هو الحديث الذي لا تريدني أن أسمعه؟ تأكد بأنني أستحق أن أعرف مثلهم كل ما يحدث.”
يتنهد الجد العقيد عميقاً ثم قال:
”لقد عادت الأرملة السوداء.”
عندما نطق الاسم، صمت جميع من في المكتب وتبادلوا نظرات مريبة، وحدها ملامح المسامر بدت حائرة، فهو الوحيد الذي لم يعرف من هي “الأرملة السوداء”، وكيف كانت السبب في أن يخاطر العقيد بنفسه ويخرج من السجن لمواجهتها!
للتواصل : [email protected]



