حين نبكي النتائج ونُهمل المعطيات: فلسفة التحليل المنطقي بين مسؤولية العقل والإيمان بالقدر

✍️أ. د. محمد شايع الشايع – كاتب وإكاديمي بجامعة الملك سعود :
تتجلى إحدى أكبر مفارقات الحياة في كثرة البكاء على النتائج عند وقوعها، مقابل الغفلة وقل الاهتمام بتحليل المعطيات التي صنعت تلك النتائج. فالإنسان يتألم من الخسارة ويتحسر على انهيار العلاقات ويتساءل عن أسباب الفشل، لكنه يتجاهل أن النتائج ليست أحداثاً منفصلة عن مقدماتها، بل هي الامتداد الطبيعي لسلسلة من القرارات والتقديرات التي سبقتها. ومن هنا تنشأ فلسفة تحليل المعطيات؛ فهي ليست ترفاً ذهنياً، بل صمام أمان يحمي الإنسان من صناعة أزماته بيده ثم الوقوف أمام أنقاضها متعجباً.
ولو تأملنا أسباب كثير من الدموع التي تُذرف في حياتنا لوجدنا أنها ليست بسبب النتائج ذاتها، بل بسبب تغافل وإهمال اهمية دراسة المعطيات التي سبقتها. فالطالب الذي يندم على تخصص لا يناسبه فقد تجاهل رغبته وقدراته، والمقترض الذي يرهقه عبء التزامات لم يحسب آثارها فكر بالتسهيلات والسيولة، والزواج الذي ينتهي إلى خلافات بسبب ضعف دراسة التوافق الحقيقي تجاهل قاعدة الزواج الحقيقية، والشراكات التي تنهار نتيجة اهمال مؤشرات مبكرة، جميعها أمثلة لنتائج مؤلمة سبقتها معطيات لم تُقرأ جيداً. وغالباً لا تتوقف الخسائر عند المال والفرص، بل تمتد إلى العلاقات والأرحام والصداقات.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف تقودنا المعطيات المهملة إلى قرارات خاطئة ونتائج مؤلمة، ثم تدفعنا إلى البحث عن شماعات نعلق عليها أخطاءنا بدلاً من مراجعة طريقة تفكيرنا؟ إن المشكلة لا تبدأ عند ظهور النتائج، بل عندما نتجاهل معلومة مهمة، ونستبعد حقيقة لا توافق رغباتنا، ونمنح العاطفة بأن تتغلب على التحليل. وما إن تظهر النتائج حتى يبدأ البعض في لوم الأسرة، والمجتمع والظروف، ويتبلى الخلق بالتقزيم وخلق الكراهية، بينما غاب السؤال الأهم: هل منحنا المعطيات ما تستحقه من الفهم والدراسة قبل اتخاذ القرار؟
ومن هنا تنبع أهمية التحليل المنطقي بوصفه أداة وقاية قبل أن يكون أداة تفسير. فهو لا يغير أقدار الله، لكنه يساعد الإنسان على حسن التعامل مع الأسباب التي أُمر بالأخذ بها. فالإيمان بالقدر لا يعفي الإنسان من مسؤولية التفكير، كما أن التفكير ليس اعتراضاً على القدر، بل إن المؤمن يجتهد في الأخذ بالأسباب ثم يرضى بما قدره الله بعد ذلك.
ولعل المتأمل في سورة الحجرات يجد أنها من أعظم السور القرآنية التي أرست قواعد التحليل المنطقي والاجتماعي. ففي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وضع القرآن قاعدة التحقق من المعطيات قبل بناء الأحكام، ثم بين خطورة إهمالها بقوله تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. وكأن الآية تختصر جوهر المشكلة، فالتسرع في التعامل مع المعطيات يقود إلى نتائج مؤلمة يعقبها الندم.
وتتجاوز السورة قضية التثبت من الأخبار إلى بناء عقلية التبصر في السياقات والمعطيات. ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ يربط القرآن بين التعقل وبين القدرة على استيعاب المشهد كاملاً. فالعقل ليس مجرد التفكير، بل فهم الظروف والسياقات والاعتبارات المحيطة بالحدث قبل إصدار الحكم أو اتخاذ الموقف.
وتبدأ ممارسة التحليل المنطقي بالفهم والتعلم، ثم حصر المعطيات وجمع الحقائق، والتمييز بين المؤكد والمحتمل، والموازنة بين الإيجابيات والسلبيات بعيداً عن هيمنة العواطف والانطباعات المسبقة. كما تقتضي عدم تحويل العادات والتقاليد إلى مسلمات فوق النقد، وقراءة الأحداث وفق تسلسلها الزمني، وسد الفجوات المعرفية بالبحث والاستقصاء لا بالتخمين والافتراض.
ومن أكثر الأخطاء شيوعاً تعليق الإخفاقات على شماعة الأسرة أو الوالدين أو المجتمع. نعم، قد تؤثر البيئة في تشكيل الإنسان، لكنها لا تلغي مسؤوليته عن مراجعة أفكاره وتصحيح قراراته. فإلقاء اللوم على الآخرين قد يخفف وطأة الاعتراف بالخطأ، لكنه لا يصنع نجاحاً ولا يبني مستقبلاً.
إن كثيراً من مآسي الحياة لا تبدأ يوم وقوعها، بل تبدأ يوم تجاهل الإنسان أول معلومة كان ينبغي أن يتوقف عندها، وأول إشارة كان ينبغي أن يقرأها، وأول سؤال كان ينبغي أن يطرحه على نفسه. ولعل سورة الحجرات قدمت لنا القاعدة الذهبية في فلسفة التحليل المنطقي: التثبت من المعطيات، والتبصر في السياقات، والتعقل قبل الحكم. فالندم ليس ابن النتائج، بل ابن المعطيات التي أهملناها حتى أنجبت تلك النتائج. لذا علينا التعلم والتعقل والتبصر في معطيات حياتنا لصناعة قرارات مستقبلنا مع اهمية التوكل بعد الأخذ بالاسباب
للتواصل : [email protected]



