كتاب الرأي

العناد… حين يتحول الإصرار إلى قيدٍ يمنع الإنسان من التقدم

      ✍️وهيب شاهين- كاتب سعودي :

يظن بعض الناس أن العناد دليل على قوة الشخصية، وأن التراجع عن الرأي ضعف أو هزيمة، بينما الحقيقة أن أكثر الشخصيات قوة هي تلك التي تمتلك شجاعة مراجعة نفسها، والاعتراف بالخطأ، والبحث عن الحقيقة مهما كان مصدرها.

العناد لا يبدأ مشكلة كبيرة، بل يولد غالبًا من موقف بسيط، أو كلمة، أو اختلاف في وجهة نظر. لكن عندما يصر كل طرف على أن يكون هو المنتصر، يتحول الحوار إلى صراع، وتتحول المسافات القصيرة بين القلوب إلى فجوات يصعب ردمها.

كم من علاقة زوجية تزعزعت بسبب عناد لم يكن له مبرر؟ وكم من صداقة انتهت لأن أحد الطرفين رفض الاعتذار؟ وكم من فرصة مهنية ضاعت لأن صاحبها لم يقبل نصيحة أو يراجع قرارًا خاطئًا؟ في كل هذه المواقف، لم يكن السبب الحقيقي هو المشكلة نفسها، بل الإصرار على عدم التراجع.

الإنسان العنيد يعيش معركة مستمرة مع نفسه قبل أن يعيشها مع الآخرين. فهو يستهلك طاقته في الدفاع عن موقف قد يعلم في داخله أنه غير صائب، لكنه يخشى أن يُنظر إلى تراجعه على أنه ضعف. وهنا تكمن المفارقة؛ فالتراجع عن الخطأ ليس هزيمة، بل انتصار للعقل على الكبرياء.

وفي بيئة العمل، يُعد العناد من أكبر معوقات النجاح الجماعي. فالأفكار العظيمة لا تولد من شخص واحد، وإنما تنمو بالحوار وتبادل الخبرات. أما من يغلق أذنيه عن كل رأي مختلف، فإنه يغلق في الوقت نفسه أبواب التطور والإبداع.

وفي الأسرة، يحتاج الأب والأم إلى الحكمة أكثر من العناد، ويحتاج الأبناء إلى من يستمع إليهم قبل أن يصدر الأحكام عليهم. فالكلمة اللينة قد تحقق ما تعجز عنه مئات الكلمات القاسية، والمرونة في التعامل تبني جسور الثقة، بينما العناد يهدمها بصمت.

لقد علمتنا الحياة أن الإنسان لا يكبر بعمره فقط، بل يكبر بقدرته على التعلم، وعلى تغيير قناعاته عندما تظهر له الحقيقة. فالعقول الراكدة تتمسك بمواقفها مهما كانت خاطئة، أما العقول الناضجة فترى في كل تجربة فرصة للنمو.

ليس المطلوب أن يتخلى الإنسان عن مبادئه، فالثبات على الحق قيمة عظيمة، لكن الفرق كبير بين الثبات على المبدأ، والعناد في الرأي. الأول قوة أخلاقية، والثاني قد يتحول إلى عبء يثقل صاحبه ويحرمه من راحة النفس ومحبة الناس.

ختامًا…

الحياة لا تقاس بعدد المرات التي انتصرنا فيها في الجدال، بل بعدد القلوب التي احتفظنا بها، والعلاقات التي صُنّاها، والفرص التي أحسنا استثمارها. فاجعل الحق هدفك، لا الانتصار لرأيك، وتذكر دائمًا أن الحكمة لا تقول: أنا لا أخطئ، بل تقول: إذا أخطأت، فلدي الشجاعة أن أعود إلى الصواب.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى