كتاب الرأي

غابة الذئاب … ​الأرملة السوداء

الفصل الثامن ... " مدينة الأبراج "

 زاوية سلسلة ” غابة الذئاب “
    ✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني :

​صراع الأنفاس والنظرات بين الحضور
​تُغلق الأبواب الضخمة للقاعة، الأنفاس متلاحقة، والعيون تائهة بين فراغ التابوت والوجوه المحتقنة بالوجل.
​الكل يتساءل أين جثمان العقيد؟ ولماذا جوزيف لا يحرك ساكناً؟ وفجأة، ومن خلف الستائر المخملية الداكنة التي تغطي الممر المؤدي للجناح الخاص، يُسمع صوت عجلات ميكانيكية تتحرك ببطء على الأرضية الخشبية، صرير خفيف يمزق الصمت الجنائزي.
​تنحرف الستارة ببطء، ويظهر من عتمة الممر الرجل الذي يبحث الجميع عن جثمانه، (الجد العقيد)، لا كفناً يغطيه ولا موت يطويه، بل حياً يرزق، يجلس على كرسيه المتحرك ذي المقبض الفضي، ملامحه حادة كشفرة، وعيناه الصقريتان تلمعان بهيبة لم تنطفئ، ولحيته البيضاء المرتبة تزيده هيبة ووقاراً، ويداه تستقران على مسندي الكرسي وكأنه يتربع على عرش حكمه من جديد.
​يتحرك جوزيف سريعاً بحركة انضباطية ويقف خلف المقعد المتحرك للجد العقيد، وابتسامة ساخرة لا تفارق وجهه. تقدمت خطى المسامر إلى الأمام، يرتب الكلمات في جوفه، ونظر إلى أبيه الجد العقيد وكأنه يرى شبحاً بُعث من الجحيم. تقدم الكرسي المتحرك بخطوات وثيقة يدفعها جوزيف بابتسامته الساخرة، حتى توقف أمام المسامر مباشرة.
​المسامر بثقة : “أبي؟! كيف.. هل هذه مسرحية أم ماذا…؟!”
​الجد العقيد : “أنت الذي ماذا يا مسامر؟ أنت ظننت أن الأسد يموت في قفص السجن!”
​المسامر : “لكن لماذا كل هذه اللعبة؟ لقد احترقت قلوبنا!”
​الجد العقيد : “قلوبكم لم تحترق حزناً عليّ يا بني، بل احترقت طمعاً! وقفتُ هنا لأرى مَن منكم سيرتدي ثوب الحداد، ومَن سيبدأ بتقسيم الغنائم وأنا ما زلت أتنفس!”
​المسامر بغضب : “أنت تعلم جيداً بأنني لا أهتم بأي سلطة أو جاه أو قوة.”
​الجد العقيد : “أعلم ذلك جيداً، ومهما كان هذا حقك الشرعي فلا أحد يستطيع حرمانك منه، تستطيع أخذه بالطريقة السهلة والشرعية أو أخذه بالقوة. لكن كل هذه المسرحية حدثت من أجل خروجي من السجن من دون أي شوشرة، وأن أصبح رجلاً ميتاً في نظر القانون، وتنتهي بخروجي من المستشفى والعودة إلى أرض الوطن، لكنني أحببت أن أكمل مشاهد المسرحية من أجل أن أعرف كيف ستكون جنازتي عندما أموت فعلاً، ومدى حب العائلة لي.”
​السيدة أنفال تقف بجوار المسامر وتنهمر بالبكاء، فابتسم الجد العقيد قائلاً : “أنفال، لقد اشتقت إليكِ، هل هذه دموع حزن؟”
استجمعت السيدة أنفال أنفاسها وهي تهز رأسها بالنفي قائلة : “بل هي دموع الفرح بعودتك، إنني أفديك بروحي يا سيدي العقيد.”
أمسك الجد العقيد بيدها وربت عليها قائلاً : “أعلم ذلك.”

​في زاوية أخرى من القاعة، انجلت الصدمة سريعاً عن وجه السيد أسد ليتوارى ذهوله، والتفت برأسه ببطء نحو السيد وارث الذي كان يضغط على قبضة يده حتى ابيضت مفاصله.
​السيد أسد بهمس خبيث وابتسامة جانية: “يبدو أن العجوز قد خدعنا جميعاً يا سيد وارث، الجنازة لم تكن إلا فخاً.”
​السيد وارث بنبرة غاضبة يحاول كتمانها: “العقيد يلعب بالنار، هذه الحركة لن تمر مرور الكرام، لقد جعل منا أضحوكة في قاعة عزاء وهمية!”
​السيد أسد يعدل من هندامه وعيناه لا تفارقان العقيد: “سيد وارث.. الذئب لا يظهر أنيابه إلا إذا شعر بالخطر، الأهم الآن ليس خداعه لنا، بل ما الذي يخطط له بعد هذه القيامة المفاجئة؟”
​يتجه إليهما الجد العقيد ويقف أمام السيد وارث قائلاً: “أستميحك عذراً أيها الكبير، أعلم أن هذا الأمر قد أغضبك كثيراً ولكن للضرورة أحكاماً.”
رد السيد وارث وهو ينظر إلى العقيد بعين يتطاير منها الشرار: “لا بأس بذلك، المهم عودتك سالماً إلينا، هذا ما يهم.”
نظر الجد العقيد إلى السيد أسد مبتسماً: “أسد.”
فرد السيد أسد الابتسامة قائلاً: “العقيد.”

​على الجانب الآخر، لم تظهر على وجه البارون —الصديق القديم والعدو اللدود— أي علامات للذعر، بل على العكس، انطلقت من بين شفتيه ضحكة مكتومة، وارتسمت على وجهه علامات الانتصار. التقط نفساً عميقاً محدثاً ليليان بنبرة منتصرة: “كنت أعلم! لم تخب ظنوني فيك يوماً أيها الثعلب العجوز، سكتة قلبية في السجن؟ هه.. ليست هذه النهاية التي تليق بالعقيد.”
​ليليان: “نعم كما توقعت أيها البارون، ها هو ذا العقيد أمامنا حياً يرزق.”
​تمتم البارون وهو ينظر إلى هيبة العقيد: “ستبقى الذئب المفضل لدي.”
​يتجه الجد العقيد إلى البارون ويقف أمامه قائلاً بكل حزم: “لم أتوقع مجيئك لجنازتي!”
​البارون مبتسماً: “وهل ظننت بأنني صدقت قصة موتك هذه؟ لقد أتيت المراسم لكي أرى إن كانت خدعة أم ماذا.”
​الجد العقيد: “هل ما ذكرته بالورقة صحيح؟”
​البارون يقترب من الجد العقيد هامساً : “بكل تأكيد يا صديقي.”
​الجد العقيد: “ورقتك التي راسلتني بها كانت بمثابة تذكرة خروج من السجن.”
​البارون بابتسامة خبيثة: “لا شكر على واجب.”

​في مؤخرة القاعة، صقر —رجل الأرملة السوداء— يقف مطأطأ الرأس، موهماً الجميع بأنه ينظر إلى الأرض رعباً كبقية الخدم، لكن عينيه المدربتين كانتا تسجلان كل شاردة وواردة، وكل تبدل في ملامح الحاضرين.
​شاهد صقر خروج العقيد حياً، وسمع حواره مع المسامر، فتراجع بخطوات متزنة وذكية نحو المطبخ الخلفي بعيداً عن الأعين وهو يحدث نفسه: “حان وقت الرحيل قبل أن ينكشف أمري، وأوصل كل ما دار هنا لسيدتي الأرملة السوداء.”
ولمعت عيناه.

​يتبع….
للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى