كتاب الرأي

حين يتحول الهاتف إلى فردٍ من العائلة …!!

✍️ راضي غربي العنزي – كاتب سعودي:

ليس في الدنيا أمانٌ يشبه الأمان مع الله، ولا طمأنينةٌ تشبه طمأنينة من أيقن أن الله يدبر أمره بلطفٍ لا تبلغه الظنون.

في أحد المشاهد التي تتكرر كل يوم في آلاف البيوت، تجلس أسرة كاملة حول مائدة واحدة. الأب حاضر، والأم حاضرة، والأبناء حاضرون، لكن الغائب الأكبر هو ذلك الشيء الذي جاءت المائدة من أجله منذ فجر التاريخ: اللقاء. الجميع ينظر إلى شاشة صغيرة، والجميع يبتسم لشيء لا يراه الآخرون، والجميع قريبون من بعضهم إلى درجة التلامس، لكن المسافات بينهم أبعد من مدن وقارات.

هنا تبدأ الحكاية 

حكاية ضيف دخل بيوتنا خفيفاً لطيفاً، ثم تمدد بهدوء حتى أصبح صاحب المقعد الأهم في المنزل. لم يطلب مكانه بالقوة، ولم يفرض نفسه بالصوت المرتفع، بل تسلل كما تتسلل العادة إلى الإنسان، حتى تحول الهاتف من وسيلة في أيدينا إلى شيء يشبه فرداً جديداً من أفراد العائلة.

إنه أول ما نراه عند الاستيقاظ، وآخر ما نودعه قبل النوم. نحمله معنا إلى المجالس، وإلى المطاعم، وإلى السفر، بل وحتى إلى اللحظات التي يفترض أن تكون خالصة للروح والعائلة والتأمل. ولو تأخر عن أيدينا دقائق معدودة ارتبك بعضنا أكثر مما يرتبك إذا غاب عنه صديق قديم منذ سنوات.

يا لها من مفارقة تستحق التأمل.

لقد نجح الإنسان في صناعة آلة تقرب البعيد، لكنه أحياناً جعلها تبعد القريب.

أصبح بإمكان المرء أن يتحدث مع شخص في آخر الأرض خلال ثوانٍ، لكنه قد يعجز عن إجراء حديث حقيقي مع ابنه الجالس بجواره.

وأصبح يعرف أخبار العالم كلها، لكنه لا يعرف ما الذي يحزن زوجته أو ما الذي يشغل قلب والده أو ما الحلم الذي يخبئه ابنه الصغير.

وكان الفيلسوف سقراط يقول: “اعرف نفسك.” ولو عاش بيننا اليوم لربما قال: أغلق هاتفك قليلاً لتعرف نفسك. فكم من إنسان يعرف تفاصيل حياة الغرباء أكثر مما يعرف تفاصيل روحه. وكم من شخص يحصي عدد المتابعين ولا يعرف عدد اللحظات الجميلة التي ضاعت منه وهو يلاحق شاشة لا تشبع فضولاً ولا تملأ فراغاً.

ومع ذلك فإن الإنصاف واجب. فالهاتف ليس عدواً، والتقنية ليست شراً. بل هي من النعم التي سخرها الله لعباده، ومن أسباب المعرفة والتواصل والتعلم وقضاء الحاجات. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى غاية، والخادم إلى سيد، والأداة إلى مركز تدور حوله الحياة.

لقد خلق الله الإنسان ليأنس بالإنسان، وجعل العلاقات من أعظم النعم التي تستقيم بها الحياة. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾. فجاء الأمر بالتقوى مقترناً بصلة الأرحام، وكأن في ذلك تذكيراً بأن الإيمان ليس شعوراً مجرداً، بل حياة نابضة بالمودة والرحمة والتواصل.

وقال رسول الله ﷺ: «مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ». والرحمة الحقيقية لا تسكن الشاشات، بل تسكن القلوب، وتظهر في الوجوه، وتُسمع في الكلمات، وتُرى في الأفعال.

ومن أجمل ما يُروى عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يخرج ليلاً يتفقد أحوال الناس بنفسه. لم يكن يكتفي بالأخبار المنقولة، بل كان يريد أن يرى ويسمع ويشعر. وكان يدرك أن بين الخبر والحقيقة مسافة لا تختصرها الرسائل، وأن بين الإنسان والإنسان أموراً لا تنقلها الكلمات المكتوبة.

ولو عاد عمر إلى زماننا لربما تعجب من بشر يجلسون ساعات طويلة مع أجهزتهم، ثم يشكون من الوحدة. ولربما رأى أن المشكلة ليست في قلة التواصل، بل في غياب الحضور الحقيقي.

وفي زمننا المعاصر يروي أحد الآباء أنه قرر ذات يوم أن يضع هاتفه جانباً ساعة واحدة فقط كل مساء. كان يظن أن الساعة طويلة، فإذا بها أقصر من أن تكفي لكل ما اكتشفه. بدأ يسمع ضحكات أطفاله التي كانت تمر بجواره دون أن يلتقطها. واكتشف أن ابنه يحفظ قصائد لم يسمعها منه من قبل. واكتشف أن ابنته الصغيرة كانت تنتظر منه مجرد نظرة اهتمام. وبعد أشهر قال عبارة تستحق أن تُكتب بماء الذهب: “كنت أعيش مع عائلتي منذ سنوات، لكنني لم أكن حاضراً معهم.”

هذه هي القضية كلها

ليست القضية في الهاتف، بل في الغياب الذي يسببه حين نسمح له بذلك. وليست المشكلة في التقنية، بل في أن تتحول إلى جدار زجاجي يفصل بين القلوب دون أن نشعر.

كان كونفوشيوس يقول: “أثمن ما تملكه ليس ما في يدك، بل من يقف إلى جوارك.” وما أعظم هذه الحكمة. فبعد سنوات طويلة لن يتذكر الإنسان عدد الرسائل التي أرسلها، ولا عدد المقاطع التي شاهدها، ولا عدد الإعجابات التي جمعها. سيتذكر أماً كانت تدعو له، وأباً كان يخاف عليه، وأخاً وقف بجانبه، وأصدقاء شاركوه الطريق، وأبناء ملؤوا حياته معنى.

إن العمر الذي وهبه الله للإنسان أثمن من أن يذوب في التمرير المتواصل للشاشات. والقلوب التي أكرمنا الله بها أعظم من أن تستبدل بالإشعارات والتنبيهات. والعائلة التي رزقنا الله إياها ليست مجموعة صور تذكارية، بل وطن صغير نحتمي به من قسوة الأيام.

وحين يتأمل الإنسان المشهد كله سيدرك حقيقة بسيطة وعظيمة في الوقت نفسه: أن الهاتف مهما أصبح ذكياً فلن يكون أماً تدعو لك، ولن يكون أباً يحمل همك، ولن يكون أخاً يساندك، ولن يكون ابناً يفرح بقربك. سيبقى جهازاً يؤدي وظيفة، أما العائلة فهي حياة كاملة تنبض بالحب والرحمة والمعنى.

فلا تجعلوا الهاتف فرداً من العائلة، حتى لا يأتي يوم تصبح فيه العائلة مجرد أفراد يجلسون حول هاتف.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى