كتاب الرأي

أبي.. الكتاب الذي قرأت فيه العالم

 ✍️ أروىٰ مسلط العتيبي- كاتبة سعودية :

علمني أبي أن بعض الأشخاص لا تكتب عنهم الكلمات بل تقف أمامهم عاجزة فكيف أصف إنسانًا كلما حاولت أن أجمع صفاته وجدت أن الحروف أقل من أن تحيط به
رغم أنني أكتب منذ ما يربو على عشرين عامًا بقي أبي هو النص الذي لم أجد له نهاية والإنسان الذي كلما ظننت أنني أمسكت بجماله اكتشفت جانبًا آخر من عظمته مازلت أحاول تطويع الحروف لأرسم بها صورة تليق بملامح أبي لكنني في كل مرة كنت أقف عاجزة أمام سعة فيضه وكأنني أحاول حصر اتساع البحر في ورقة صغيرة
أرى في والدي ذاكرة حية ومكتبة تمشي على قدمين إنسان يمتلك قدرة عجيبة على اختصار المسافات بين القلوب فكلما صادف أحدًا في طريقه وجد في روحه نافذة للحوار يغوص معه في تفاصيل صغيرة وشؤون دقيقة لا يعرفها إلا أبناء ذلك البلد ذاته وكأنه خريطة إنسانية قرأت كل الشعوب وحفظت حكاياتها يمتلك في جعبته مزحة لكل دولة تضحك أهلها
أبي ذلك الإنسان السمح الطيب الذي يجد مع كل من يصادفه وسيلة للحوار يحدثه وكأنه يعرفه منذ زمن يشارك الناس أحاديثهم عن شؤون بلادهم وتفاصيلهم يعرف لكل شعب حكاية ولكل بلد طرفة وكأن العالم كتاب كبير حفظ صفحاته بحب
أبي المثقف من طفولته الذي كان يجد متعته في المعرفة يشتري بمال فسحته اليومية الجرائد والكتب يغذي عقله بفضول لا ينطفئ حتى صار في عيني موسوعة تمشي على الأرض يؤمن أن الإنسان يكبر بما يقرأه وبما يتركه من أثر علمني أن معيار الثقافة في مدى اتساع قلب الإنسان للآخرين وقدرته على فهم تفاصيل الناس وأفراحهم ومعاناتهم
أبي المعطاء بلا حدود الكريم الذي لا يعرف الشح في العطاء ولا في المشاعر يعطي دون انتظار يدفع السيئة بالحسنة ويقابل القسوة باللين يواجه الإساءة بالصفح الجميل ويحمل في قلبه مساحة واسعة من العفو والرحمة والتواضع
علمني أبي أن المكانة لا تصنع الإنسان بل الإنسان هو من يصنع قيمة المكان الذي يكون فيه وأن الرفعة الحقيقية في قربك من الناس وصدقك معهم ولطفك بهم وأن أجمل ما يحمله الإنسان قلب يعرف كيف يكون قريبًا من الجميع
أبي مدرسة لم تنتهِ فصولها قط علمني أن الكرم ليس في المال فقط بل في سعة الصدر وأن التواضع هو أرقى أشكال الرقي وأن الثقافة حين تسكن إنسانًا تصبح أثرًا يراه كل من حوله وأن الحكمة لا تكتمل إلا إذا صاحبتها ابتسامة وسماحة
أبي الحبيب في يوم الأب أهديك حروفي التي ما زالت تحاول أن تشبهك في صدقها ونقائها فأنت الحكاية التي لا أمل من سردها وأنت الأمان الذي ألوذ به حين يثقل العالم على كاهلي وأنت المعنى الجميل الذي مهما كتبت عنه بقي في داخلي كلام أكثر تعجز الأبجدية أن تحيط بوصفة
دمت لي بوصلة تدلني على الخير ودمت مدرسة أعود إليها دائمًا تلميذةً في محراب روحك أتعلم منك كيف يكون الإنسان عظيمًا بقدر تواضعه وكبيرًا بقدر سعة قلبه

للتواصل: [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى