كتاب الرأي

تفكيك الوهم.. في نقد «القناعات الواهية» وجناية الألوان على هوية الأخضر

      ✍️حسن المقصودي-كاتب سعودي:

لا تبدأ الهزائم الكبرى في الملاعب من صافرة الحكم، بل تولد كجنين مشوه في الغرف المغلقة حيث تُصنع القرارات الارتجالية، وحيث تساق “القناعات الفردية” لتصبح قدراً محتوماً على وطن بأسره. إن السقوط برباعية أمام إسبانيا في المحفل العالمي، لم يكن سوى تجلٍّ مادي لعشوائية تراكمية طال أمدها لسنوات نصيب اتحاد اللعبة الحالي منها سبع سنوات وازود، سنوات انسلخت فيها كرتنا عن روح “رؤيتنا الوطنية” الواعدة، لتغرق في بحر من الفوضى التكتيكية والهدر المالي الفلكي الذي لم يورثنا سوى الخيبات المعاد تدويرها.

صنم المقارنات ونفي الهوية الوطنية
إن أعمق تشويه فكري تعاني منه الساحة الرياضية اليوم هو اختزال “المنجز الوطني” في ثنائية الألوان الضيقة؛ فمع كل معترك عالمي للأخضر، يستعر سُعار الأسئلة الفئوية الساذجة: كم إدارياً هلالياً أو نصراوياً أدار البعثة؟ كم لاعباً من هذا النادي دشن مشاركته؟ مَن سكب العرق وصنع وسجل لحساب قبيلته الكروية؟ كم لاعب هلالي او نصراوي سجل في كأس العالم ؟
هل يعقل أن تغدو هذه المقارنات الطفولية البليدة هي “العنوان الرئيسي” والمادة الدسمة التي تسبق وتواكب رحلة المنتخب؟ إن هذا الاختزال القاصر لا يمثل سقطة إعلامية فحسب، بل هو انعكاس لذهنية التسطيح التي تُدار بها اللعبة. لقد نسي مسيرو هذا المشهد حقيقة بديهية: أن الوطن لا يرتدي قميصاً فئوياً، وأن هناك منتخباً واحداً أكبر بكثير من عصبية الأندية وصراعات مسؤوليها. إن غياب المعايير الوطنية الخالصة حوّل المنتخب – مع الأسف – إلى مجرد “محطة تلميع”، وتصفية حسابات، ومجاملات تُقدّم فيها مصالح الأفراد على حساب سمعة بلد طموح.

جدار الاختصاص المهدوم والمحسوبية المُكافأة
حين نقرأ في مسارات الإدارة الرياضية، نجد أنفسنا أمام مشهد تغيب فيه “هيئة الخبراء” واللجان الفنية المعنية ذات الأهلية الحقيقية؛ فسمو وزير الرياضة ليس بخبير تخصصي في عالم المستديرة، وكذلك رئيس الاتحاد ياسر المسحل، والإدارة الفنية للاتحاد مغيبة ومسلوبة القرار (والدليل إقالة المدير الفني السابق واستقطاب بديل في مشروع بناء لم يغادر الأوراق).
وفي هذا الفراغ المؤسساتي المخيف، تتسيد المحسوبيات المشهد، ولعل أبرز تجليات هذا الخلل هو منح “فهد المفرج” شرف قيادة العمل الرياضي في المنتخب؛ وهو الرجل الذي أُبعد من ناديه بقرار تصحيحي قاده الأمير الوليد بن طلال بعد سلسلة من الكوارث التنظيمية والتنسيقية (بدءاً من أزمة قيد كنو والمنع من التسجيل، مروراً بانسحاب قطر لعدم اكتمال النصاب القانوني والتعرض للعقوبات القارية، وصولاً إلى فوضى التعاقدات الأخيرة). وبدلاً من أن تُساءل الإدارة الرياضية عن أسباب استنساخ الفشل ونقل الفوضى التنظيمية من أروقة نادٍ إلى أروقة منتخب يمثل دولة بحجم المملكة، جرت مكافأته، وكأن المنظومة تبحث عن أدوات التخبط لتمكينها!

فوضى العقود والعمى التكتيكي
في الشق الفني اللوجستي، بلغ الهدر المالي مستويات فلكية لا توازي حجم العائد إطلاقاً؛ من ملايين مانشيني الضائعة إلى مغامرة عودة رينارد، وصولاً إلى استقطاب اليوناني “جورجيوس دونيس” دون استراتيجية معلنة أو رؤية واضحة.
وقد تجلى هذا “العمى التكتيكي” في مواجهة إسبانيا؛ حيث أعد المدرب توليفة من خمسة مدافعين لمجابهة تكتيك “المهاجم الوهمي” والاستحواذ المطلق الذي يجيده الخصم. هذا التفريغ الكارثي لوسط الملعب منح الإسبان السيطرة الكلية، وكشف جهلاً فادحاً بممكنات الخصم وممكنات لاعبينا، حيث طُبقت خطة عقيمة عجز المدرب عن تفعيلها حتى مع الفرق الأقل طموحاً كفريق الخليج. والأخطر من ذلك هو ركن المواهب الحية على دكة البدلاء لمصلحة أسماء معينة مُنحت فرصة صناعة أمجاد ذاتية زائفة على حساب كيان الوطن وسمعته الدولية.

من المراجعة العابرة إلى التحقيق الصارم
إن استمرار المنتخب في هذا التيه والضياع ليس قدراً حتمياً، بل هو نتيجة طبيعية لإدارة تُدار بالقناعات الضعيفة بعيداً عن الاستراتيجيات المؤسساتية الحقيقية. وقد أثبت الممارسون الحاليون في الاتحاد السعودي واللجان التابعة له عبر ثماني سنوات عاجزة أنهم ليسوا الأصلح لقيادة دفة المشروع الرياضي لبلد يعيش أزهى عصور التحول الاقتصادي والثقافي.
إن المنطق والعقلانية يفرضان اليوم تجاوز مرحلة “المراجعات الروتينية” والتقييم العابر، والذهاب فوراً نحو فتح تحقيق رسمي وصارم في ملف الثماني سنوات الماضية تحت قيادة المسحل؛ تحقيق يكشف أسباب القرارات العشوائية، ويفكك طلاسم الهدر المالي المخيف، ويحاسب الفكر الإداري الذي يفتقر للرؤية. إن مكانة المملكة العربية السعودية وتطلعات رؤيتها الوطنية الطموحة، أكبر من أن تُترك حقل تجارب للمجاملات وصراعات الميول البليدة.

والسلام ؛؛؛

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى