من زهر يفنى الى خير يبقى

✍️ عبدالله القرشي :
في أحد الأيام زرت أحد الزملاء في مستشفى مكة الطبي يرقد على السرير الأبيض لفت انتباهي كثرة باقات الورود التي ملأت الغرفة ورود فاخرة مغلفة بعناية ذات ألوان زاهية وعطور فواحة لكن رغم جمالها بدت لي فجأة بلا معنى فكل هذه الورود بعد أن تذبل ستنتهي في حاوية النفايات دون أن تترك أثرا باقيا سوى لحظة عابرة من الزينة
في تلك اللحظة خطر لي اقتراح بسيط وعظيم الأثر لماذا لا نستبدل عادة إهداء الورود عند زيارة المرضى بالمساهمة في كفالة يتيم أو صدقة عن المريض أليس ذلك أجدى من باقة ستذبل وتختفي نزرع بها أملا في قلب يتيم فقد الحنان
لا شك أن إهداء الورود في ثقافتنا تعبير عن الحب والتقدير والدعاء بالشفاء العاجل لكن لو تخيلنا أننا بدلا من إنفاق مئة أو مئتي ريال على باقة زهور وضعنا هذا المبلغ في سهم لكفالة يتيم أو صدقة جارية عن المريض لكان أعظم أثرا وأدوم نفعا فالمريض سيشعر أن مرضه أصبح بابا للخير وستصله دعوات الأيتام والمحتاجين في ظهر الغيب وينقلب ابتلاؤه إلى صدقة جارية وربما يكون سببا في شفائه بإذن الله
ديننا الإسلامي يحث على زيارة المرضى ويجعلها من أعظم القربات ويدعونا لأن نكون سببا في رفع المعاناة وبث الأمل وإدخال السرور فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم من عاد مريضا لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع فكيف إذا صحبت الزيارة صدقة عن المريض أو كفالة يتيم
لليتيم في الإسلام مكانة عظيمة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى فتخيل أن تكون زيارتك للمريض سببا في فتح باب الجنة لا لك وحدك بل للمريض ولليتيم ولمن دعا وتصدق
المجتمع الذي يتحول من استهلاك المظاهر إلى استثمار في المعاني هو مجتمع ناضج راق متماسك أن نستبدل الورود المؤقتة بأعمال تبقى هو نقلة نوعية في ثقافتنا هذه الفكرة لا تقلل من قيمة الورد أو جماله لكنها تدعونا لما هو أعمق وأبقى أثرا
تخيل أن كل زيارة لمريض سواء في مستشفى أو منزل تتحول إلى مشروع خيري أو مساهمة في صندوق كفالة أيتام خلال عام واحد يمكن أن نكفل آلاف الأيتام ونحدث تغييرا ملموسا في حياة أسر كاملة والمريض حين يعلم أن من زاره تصدق عنه سيشعر بالفخر والارتياح بأن مرضه لم يكن عبثا بل أصبح بابا للأجر والثواب
الفكرة ليست انتقاصا من الورد بل تعظيما لزيارة المريض بالكلمة الطيبة والدعاء وإضافة صدقة جارية أو كفالة يتيم ما أجمل أن تتحول الفكرة إلى عادة والعادة إلى ثقافة نقنع بها أنفسنا ومجتمعنا أن الزهور جميلة ولكن الأثر أجمل وأن الزيارة الحقيقية ليست مجرد صورة مع باقة ورد بل أثر خالد في قلب المريض وقلوب الآخرين .




فكرة راقية وملهمة تمزج بين الذوق الاجتماعي والبعد الإنساني والروحي واستبدال الورود الزائلة بصدقة جارية عن المريض ليس فقط أجدى نفعًا بل يمنح الزيارة عمقًا ورسالة ويحوّل لحظة المرض إلى باب أمل وخير دائم