كتاب الرأي

تقويم الروح .. لا تقويم الأيام

✍️ أروىٰ مسلط العتيبي- كاتبة سعودية :

مع إشراقة عام هجري جديد تتجه الأنظار نحو البدايات وتكتسي الصفحات وتتزين منصات التواصل بعبارات التهنئة حيث نراجع ما مضى ونرسم أمنيات عريضة لما هو قادم ويتبادل الناس الوعود بالتغيير ويربطون انطلاقتها بأول يوم من محرم وكأن التغيير يحتاج إلى تاريخ محدد ليمنحنا الإذن بالبدء أو كأن العقل البشري يقع في فخ حب الربيع الأول لكل شيء لكن الحقيقة الملهمة التي نغفل عنها خلف بريق التواريخ المميزة هي أن الحياة لا تنتظر غرة عام ولا منتصف شهر ولا رقما جديدا في التقويم حتى تفتح لنا أبوابها فالزمن في حقيقته نهر متدفق لا يعترف بالخطوط الفاصلة التي نضعها نحن وكل يوم تشرق شمسه هو في الواقع غرة عامٍ جديد مصغر
إن كل صباح هو صفحة بيضاء ناصعة تمنح لنا من جديد وكل يوم عادي يحمل بين ساعاته فرصة مختلفة وربما يكون ذلك اليوم الخامل الذي لا يحمل رقمًا مميزًا في التقويم ولا يحتفل به أحد في منتصف سنة أو أواخر شهر هو بذاته اليوم الذي نصنع فيه التحول الأكبر في حياتنا ونحن أحيانا نؤجل خطواتنا الجميلة بحجة انتظار الوقت المناسب فنمنح أنفسنا رخصة للتسويف المبرر عندما نقول سأبدأ مع السنة الجديدة أو الشهر الجديد أو حتى الأسبوع القادم ونؤجل أحلامنا حتى تأتي لحظة نشعر أنها مثالية بينما الحقيقة أن البداية لا تحتاج إلى توقيت مثالي بل إلى نية صادقة وتصنع اللحظات قيمتها الحقيقية حين نمنحها نحن معنى البداية بجرأتنا وشغفنا
إن ربط التغيير بالمناسبات الكبرى يوقعنا أيضا في فخ الإحباط السريع فإذا تعثرت خطواتنا في الأسبوع الأول من العام الجديد شعرنا وكأن العام بأكمله قد ضاع وبدأنا ننتظر العام الذي يليه لنتحرك لكن العام الجديد ليس مجرد رقم يتغير بل هو رسالة مستمرة تذكرنا بأن العمر يمضي وأن الفرص لا تزال تزرع في ركام كل يوم نمضي فيه وهو دعوة متجددة لأن نغلق أبواب ما أثقل أرواحنا ونفتح نوافذ الأمل والعمل والتجدد فالإنسان لا يبدأ مرة واحدة في حياته بل هو كائن متجدد يبدأ في كل مرة يختار فيها أن يكون أفضل وفي كل مرة ينهض فيها بعد تعثر وفي كل قرار صغير يتخذه بوعي ليقوده نحو نسخة أجمل وأعمق من نفسه والاستيقاظ صباحًا بروحٍ عازمة على إصلاح خطأ الأمس يحول ذلك اليوم العادي فورًا إلى يوم تاريخي في مسيرتنا الشخصية
قد يكون الأول من محرم بداية لعام كامل بالتقويم لكن الأول من أي يوم وفي أي شهر يمكن أن يكون بداية حلم عظيم وبداية إصلاح حقيقي وبداية حياة مختلفة تماما ولست بحاجة لانتظار عامٍ مقبل لتبدأ من جديد بل انظر إلى ساعتك الآن واجعل من الدقيقة القادمة غرة عامك الخاص لتبدأ من جديد لتشرق للبعيد لتحيا سعيد فليس التاريخ هو الذي يمنح الأيام قيمتها وجدواها بل ما نضعه نحن فيها من نية وسعي وأثر ممتد كل عام وأنتم بخير وكل يوم وأنتم أقرب لكل ما تتمنون

للتواصل: [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى