كتاب الرأي

حين يكشف النجاح الحقيقة

        ✍️هناء الهجاري -كاتبة سعودية :

يُقال إن النجاح يجلب للإنسان التقدير والاحترام، لكنه في كثير من الأحيان يمنحه شيئًا أعمق من ذلك؛ القدرة على رؤية الناس على حقيقتهم، بعيدًا عن الصور التي رسمناها لهم في أذهاننا.

في البدايات، نمنح من حولنا مساحة واسعة من حسن الظن، ونختار أن نرى فيهم الجانب الطيب مهما ظهرت منهم مواقف تستدعي التوقف. نلتمس الأعذار، ونبرر التصرفات، ونؤجل الحكم، لأننا نؤمن أن الأصل في الناس الخير، وأن ما نراه قد لا يكون سوى ظروف عابرة أو سوء فهم مؤقت.

لكن مع مرور الوقت، ومع كل خطوة نجاح يحققها الإنسان، تبدأ بعض الملامح بالوضوح. ليس لأن النجاح يغيّر الناس، بل لأنه يكشف ما كان مخفيًا خلف المجاملات أو الصمت أو التردد. عندها نكتشف أن هناك من يفرح بإنجازنا كما لو كان إنجازه، وهناك من يضيق به، مهما كان بسيطًا أو عاديًا.

وفي هذه اللحظة يبرز سؤال داخلي مهم: لماذا يتحول نجاحي إلى أمر يُقابل بالبرود أو التقليل عند بعض الأشخاص، بينما يُحتفى بإنجازات الآخرين بكل حماس؟ ومع التأمل، ندرك أن الإجابة لا تتعلق بالنجاح ذاته، بل بالمكانة التي منحناها لبعض الأشخاص منذ البداية.

فالمسألة ليست صدمة بقدر ما هي مراجعة صادقة للذات. لم نُصدم بهم، بل اكتشفنا أن حسن الظن جعلنا نمنحهم مساحة أكبر من حقيقتهم، ورأينا فيهم ما كنا نتمناه لا ما هم عليه فعلاً. ومع تكرار المواقف، تتضح الصورة تدريجيًا، ويبدأ الوهم الذي صنعته توقعاتنا بالانكشاف.

حسن الظن قيمة جميلة، لكنها حين تُمنح بلا وعي قد تجعلنا نتجاوز إشارات واضحة، ونستمر في تبرير مواقف متكررة لا تستحق التبرير. ومع ذلك، فإن التجربة لا تُفقدنا هذه القيمة، بل تعيد ضبطها، وتجعلنا أكثر وعيًا في اختيار من نمنحهم ثقتنا ومكانتهم.

النجاح في جوهره لا يضيف فقط علاقات جديدة، بل يعيد ترتيب العلاقات القديمة. يقرّب الصادقين، ويُظهر من كان حاضرًا بصدق، ويكشف من كان وجوده مرتبطًا بمرحلة معينة أو مصلحة خفية أو مقارنة صامتة.

ولذلك، لا ينبغي أن نحزن عندما تضيق الدائرة من حولنا مع الوقت. فالقيمة ليست في كثرة من حولنا، بل في صدق من يبقى. أحيانًا تكون الدائرة الصغيرة الأكثر نقاءً وراحة من دوائر واسعة مليئة بالضجيج والتكلف.

وفي النهاية، يبقى النجاح اختبارًا صادقًا للحياة؛ لا يكشف قدراتنا فقط، بل يكشف من يستحق أن يرافقنا في الطريق. ومع وضوح الصورة، ندرك أن كل شخص يعود إلى حجمه الطبيعي، بلا مبالغة في التقدير، ولا قسوة في الحكم، بل بعدلٍ يضع كل إنسان في مكانه الحقيقي، ويمنح القلب شيئًا من السلام

‏للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى