الاهتمام بذوي الإعاقة يهدف إلى الشفقة!!

✍️مريم حميد السلمي – كاتبة سعودية
عند تأسيس نادي المسرح والهوية في منصة هاوي للهواة عام 2026 م، انطلقت الفكرة من أهداف إنسانية واجتماعية نبيلة، تقوم على إشراك مختلف فئات المجتمع، وفي مقدمتهم الأشخاص ذوو الإعاقة، والأيتام، ومحاربو السرطان، ليكونوا شركاء حقيقيين في الإبداع وصناعة الأثر.
لكن في بداية الطريق، لم تصل الفكرة إلى الجميع بالصورة التي أردناها. فقد اعتقد البعض ــ للأسف ــ أن الاهتمام بذوي الإعاقة يهدف إلى الشفقة أو جمع التبرعات، وهي نظرة مؤلمة لا تعكس الحقيقة، بل تكشف عن فهمٍ قاصر لمعنى التمكين الحقيقي.
لكن الحقيقة أن الإنسان يحتاج أولًا إلى من يؤمن به، وينظر إليه بعين الثقة، ويمنحه الفرصة ليعبّر عن ذاته، ويكتشف إمكاناته، ويثبت قدراته، ويشارك في بناء مجتمعه.
ويبقى السؤال:
من المسؤول عن ترسيخ هذه النظرة التي حرمت الكثير من المبدعين من ذوي الإعاقة من الظهور أمام المجتمع، وإثبات قدراتهم الحقيقية، وإبراز مواهبهم التي تستحق أن تُرى وتُقدَّر؟
وللأسف، ما زالت هذه النظرة موجودة لدى البعض، وربما يعود ذلك إلى قلة الوعي أو الخوف من التعامل معهم بطريقة قد تُفهم على أنها تجرح مشاعرهم. غير أن الحقيقة مختلفة تمامًا؛ فالأشخاص ذوو الإعاقة لا يحتاجون إلى الشفقة، بل يحتاجون إلى أن يُنظر إليهم بوصفهم مؤثرين، وأصحاب رسالة، وقادة إلهام، يمتلكون من القدرات والإبداع ما يستحق أن يُحتفى به.
وتقوم هذه الرؤية على مبدأ الشراكة المجتمعية الفاعلة، من خلال التعاون والتكامل بين الجهات المختصة، والأسرة، والإعلام، ونادي المسرح والهوية، لبناء منظومة تمكين مستدامة تُعنى باكتشاف القدرات، وصقل الهويات، وتعزيز دور مختلف فئات المجتمع، إيمانًا بأن لكل إنسان قيمة ورسالة، وأن تمكينه يبدأ بالثقة في إمكاناته، ليصبح شريكًا فاعلًا في صناعة الأثر، والإسهام في تنمية المجتمع، وبناء مستقبل أكثر وعيًا وإنسانية.
إنهم ليسوا أشخاصًا نمنحهم القوة، بل هم في الحقيقة مصدر إلهام يعلموننا معنى الصبر، والصمود، والرضا، والاستمرار، والأمل. ومن خلال قصصهم ندرك أن القوة الحقيقية لا تُقاس بما نملكه، بل بما نحمله في قلوبنا من إيمان، وعزيمة، وإرادة لا تعرف المستحيل.
ومن خلال لقاءاتي السابقة مع هذه الفئات، لاحظت أن كثيرًا منهم يمتلكون أفكارًا رائعة ورسائل عميقة، إلا أنهم يجدون صعوبة في التعبير عنها بالطريقة التي تعكس حقيقة ما بداخلهم، وكان ذلك مؤلمًا بالنسبة لي. حينها أدركت أن ما يحتاجونه ليس من يتحدث نيابة عنهم، بل من يمنحهم الثقة الكامنة في ذواتهم، ويهيئ لهم بيئة آمنة يشعرون فيها بالتقدير والقبول.
فعندما يجد الإنسان من يؤمن بقدراته، ويمنحه الفرصة للتعبير دون خوف أو تردد، تنطلق كلماته بثقة، وتصل رسالته بوضوح، وتظهر شخصيته الحقيقية كما هي. ومن هنا، فإن التمكين الحقيقي يبدأ ببناء الثقة، لأن الثقة هي الجسر الذي يعبر من خلاله الإنسان إلى المجتمع، ويُسمع صوته، ويُبرز موهبته، ويثبت أن الإعاقة لم تكن يومًا عائقًا أمام الفكر والإبداع وصناعة الأثر.
ونحن في نادي المسرح والهوية نؤمن بأن المحبة رسالة ومسؤولية. ومن يحب الإنسان حقًا، يسعى إلى اكتشافه، وصقل هويته، وإبراز أجمل ما فيه، ليصبح قادرًا على التأثير والإبداع، والمشاركة الفاعلة في خدمة وطنه ومجتمعه.
فالتمكين الحقيقي لا يبدأ بالشفقة، بل يبدأ بالإيمان بالإنسان. وعندما نمنح الإنسان الفرصة، نكتشف أن كثيرًا من القدرات كانت تنتظر فقط من يثق بها، لتصنع أثرًا يتجاوز حدود التوقعات.
للتواصل : [email protected]



