عَلَّمَتْنِي أُمِّي… مَنْهَجُ حَيَاةٍ

✍️ أروىٰ مسلط العتيبي – كاتبه سعودية:
علمتني أمي أن الإنسان لا يقاس بما يأخذه من الناس بل بما يتركه في قلوبهم وأن أجمل ما يملكه المرء خُلُقُه حين تضيق أخلاق الآخرين وأن أبقى كما أنا لا كما يعاملني الناس فلا أجعل طيبتي رهينةً لمواقفهم ولا عطائي متعلقًا بما أتلقاه منهم
كبرت وأنا أراها تمنح المعروف للجميع وتمضي وكأنها لم تفعل شيئًا وهي تؤمن أن الخير لا يحتاج شاهدًا وأن الكلمة الطيبة لا تنتظر مقابلًا
وأن القلوب الكبيرة لا تتغير
كلما تغيرت الوجوه من حولها
ومنها تعلمت أن المعاملة بالمثل ليست دائمًا عدلًا فلو قابلنا القسوة بالقسوة لاتسعت مسافات الجفاء ولو قابلنا الجرح بجرحٍ آخر لما بقي في هذه الدنيا متسعٌ للرحمة لذلك لا تزال توصيني أن أحافظ على نقاء قلبي مهما تبدلت الأحوال وأن لا أسمح لإساءة أحد أن تنتزع مني ما زرعته في نفسي من قيمٍ ومبادئ وهي تعرف أن في الحياة من يرد الإحسان بالجفاء ومن ينسى المعروف سريعًا ومن يمر على العطاء وكأنه حقٌّ مكتسب لا فضل فيه لكنها لا تجعل ذلك سببًا لتغيير نفسها لأنها ترى أن خسارة الخُلُق أعظم من خسارة الأشخاص وأن الإنسان حين يتخلى عن مبادئه انتصارًا لجرحٍ عابر يكون قد خسر شيئًا أثمن من كل ما فقد
ولذلك كلما التقيت بمن لا يقدر الود أو يرد الطيبة ببرود أو يقابل النقاء بما لا يليق أتذكر أمي وأدرك أن بعض الناس لا يكشفون حقيقة أخلاقنا بل يكشفون حقيقة أخلاقهم وأن أبلغ الرسائل ليست في الردود القاسية بل في الثبات على القيم حين يصبح التخلي عنها أسهل الطرق فليس كل من أساء يستحق أن نصبح مثله وليس كل من جفا يستحق أن نحمل في صدورنا ما يحمل هو من قسوة هناك نفوسٌ ترتفع عن الصغائر لأنها تعرف قدر نفسها وتعرف أن الكرامة لا تعني الجفاء وأن القوة لا تعني القسوة وأن أجمل الانتصارات أن تبقى نقيًّا في عالمٍ يحاول أن يعلمك غير ذلك
هكذا هي أمي قلبًا يتسع للجميع وعطاءً لا ينضب وخُلُقًا يُضرب به المثل وهكذا أحاول أن أكون لأنني تعلمت منها أن الطيبين لا يخسرون حين يعطون ولا ينقصهم شيء حين يسامحون وأن الذين يسيئون إلى أطيب القلوب لا يطفئون نورها بل يكشفون مقدار العتمة التي تسكن أرواحهم فالشمس لا يضرها من أغلق نافذته والنبع لا يجف لأن أحدًا لم يشرب منه والقلب النقي يبقى نقيًّا مهما مر عليه من خيبات ومهما لقي من جحود لأن قيمته ليست فيما يلقاه من الناس بل فيما يحمله هو من خيرٍ وجمالٍ ونبلٍ علمتني إياه أمي وبقي يسكنني كلما ضاقت بي الطرق وكلما حاولت الحياة أن تقنعني أن أكون
أقل مما ربتني عليه أطيب القلوب.
للتواصل: [email protected]



