كتاب الرأي

رحلة الساعات الطويلة وفك لغز الهيستامين•••

     ✍️عائشة السبيعي -كاتبة سعودية :

في بعض الأحيان، تأتي المحن الصامتة من أكثر التفاصيل في حياتنا اليومية بساطة وأماناً.

نجلس في هدوء، نرتشف كوباً من الشاي الدافئ الممزوج بنكهة “الحبق” التي يحبها البعض ،

دون أن ندري أننا على مشارف معركة خفية يقودها الجسد ضد نفسه،

لتستمر ساعات طويلة في حيرة وخوف قبل أن تكشف الحقيقة العلمية مذهلة الدقة.

شرارة المعركة.. حين يشتعل الجسد.

بدأ الأمر فجأة؛ شعور غريب باحتراق داخلي يجتاح الجلد، وسخونة غامرة تجعلك تتنقل من مكيف إلى آخر تبحث عن ذرة برودة دون جدوى،

فالمكيفات بكامل طاقتها لا تطفئ تلك الحرارة المستعرة تحت ذراعينا وفي أطرافنا .

ثم تأتي تلك النغزات المباغتة التي تشبه إبراً حادة تخترق الجسد من الداخل، يتلوها طفح جلدي بارز يسمى “الشَّرَى”.

في تلك الساعات الطويلة المتعبة، وأمام غموض الأعراض، يستسلم المرء للوضع تارة،

وتذهب به الأفكار والوساوس كل مذهب تارة أخرى؛ هل هي عينٌ أصابته؟ أم عارض غير مفهوم؟ فيلوذ بقراءة القرآن والتعوذ من الشيطان الرجيم بحثاً عن الطمأنينة والسكينة.

الحقيقة العلمية: كيف يدافع الجهاز المناعي؟
لكن اللغز لم يكن وراءه سر مجهول، بل تفاعل حيوي معقد. فالجهاز المناعي لبعض الأجسام يمتلك نظام حراسة صارمة وفائق الحساسية، وأحياناً..

يخطئ هذا الحارس في التقدير.
عندما دخلت عناصر “الحبق” إلى الجسم، لم يتعرف عليها كمادة غذائية طبيعية،

بل صنفها على أنها “عدو خطير” وجسم غريب ومضر يجب طرده ومحاربته فوراً.

وفي سبيله لحماية الجسد، أطلق نظام الدفاع والتحصين إنذاراً سريعاً تمثل في إفراز كميات هائلة من مادة كيميائية تُدعى “الهيستامين”.
خديعة الهيستامين وتوسع الأوعية.

هنا تكمن المفارقة؛ فالمادة التي أفرزها الجسم للدفاع عنا، هي نفسها التي تسببت في معاناتنا وساعات الحيرة .

يندفـع “الهيستامين” في مجرى الدم ويتجه مباشرة إلى الأوعية الدموية الصغيرة الواقعة تحت الجلد، مجبراً إياها على التوسع والاتساع بشكل مفاجئ وكبير.

هذا التدفق الدموي العارم والسريع هو التفسير العلمي المباشر لذلك الشعور الحارق بالحرارة الداخلية التي عجز المكيف عن تبريدها.

ولم يتوقف الهيستامين عند هذا الحد، بل تسبب في توسع الأوعية في تسريب سوائل خفيفة محتبسة ظهرت على سطح البشرة على هيئة حبيبات وبقع حمراء ساخنة، وهي ما يعرف بـ “الشَّرَى”.

نهاية المعركة..

مضادات الهيستامين كلمة الفصل
لم تنتهِ الساعات الطويلة من التخبط إلا عندما رُبطت الخيوط ببعضها واكتُشفت السبب، لتبدأ مرحلة العلاج الفعلي عبر

الاستعانة بـ “مضادات الهيستامين” (مثل دواء أرتيز).

إذ تتجه فوراً لإغلاق المستقبلات التي يلتصق بها الهيستامين، وتأمر الأوعية الدموية بالعودة لحجمها الطبيعي.

ومع الدقائق الأولى من ابتلاعها، تبدأ الحرارة بالانطفاء، وتختفي النغزات تدريجياً، ويهدأ الشَّرَى المتهيج، ليعود الجسد إلى سلامة واستقرار بعد أن أدرك أخيراً..

أن المعركة لم تكن سوى إنذار خاطئ من حارس شديد الغيرة على صحتنا.

ختامآ :
لم تكن رحلة الساعات الطويلة مجرد محاولة للهروب من الألم أو البحث عن التشافي العابر، بل كانت رحلة استكشاف وشغف لفك شفرة الجسد وفهم أسراره. إن ذلك الإحساس الغريب بالاحتراق الخفي تحت الجلد لم يكن مجرد عارض طارئ، بل كان إشارة وتحدياً يدفعني للبحث عن المصدر وتفكيك لغز الهيستامين؛ لأن المعرفة بالسبب هي الخطوة الأولى الحقيقية لامتلاك زمام أمور الجسد والوصول إلى الطمأنينة.”

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى