كتاب الرأي

حين تتحول المسافة إلى ميزان للحقيقة ..

      ✍️عبدالله بن محمد الزبيدي – كاتب سعودي :

التحذير الروتيني الذي نراه يوميا على مرآة السيارة الجانبية :
“الأشياء في المرآة تبدو أصغر مما هي عليه في الواقع” تحمل في طياتها حكمةً نفسية تفسر الكثير من ارتباكاتنا العاطفية وسلوكياتنا البشرية… في قوانين الفيزياء تتقلص الأجسام في أعيننا كلما ابتعدت عن مركز الرؤية وهو ذاته ما يحدث في “فيزياء العلاقات” عندما نبتعد عن بعض الأشخاص، أو يختارون هم الانسحاب من مساحتنا الخاصة يبدأ حجمهم وتأثيرهم في وعينا بالتقلص تدريجياً ، يقول الروائي الفرنسي مارسيل بروست عن هذا التقييم الذاتي المفرط في روايته الشهيرة “البحث عن الزمن المفقود” :
“نحن لا نحب الأشخاص كما هم ، بل نحب الصورة التي نصنعها لهم في عقولنا. إن الخيبة لا تأتي من الآخرين ، بل من سقف التوقعات الذي بنيناه لهم.”
كثيرٌ ممن صورناهم “عمالقةً” في حياتنا وأوهمنا أنفسنا بأن وجودهم هو شرطٌ لبقائنا تكشف لنا الأيام والمسافات أن أحجامهم الحقيقية كانت أصغر بكثير مما رسمته عواطفنا في لحظات القرب المفرط ، فالقرب الشديد غالباً ما يُعمي بصائرنا عن رؤية العيوب ، فيتضخم “الآخر” في نظرنا ، و نعطيه أكثر مما يستحق ، الابتعاد يمنحنا “الرؤية الشاملة” التي تضع الأشياء في نصابها الصحيح، وتكشف حقيقة كل إنسان بلا مبالغة في العاطفة و الاندفاع .
العبارة بصدقها القاسي تعلمنا أن المسافة هي ميزانٌ يكشف الحجم الحقيقي للأشياء.
و من يختار طوعاً أن يبقى بعيدا ، سيظل صغيراً في ميزان الحقيقة، مهما حاولنا استعادة صورته المتضخمة في ذاكرتنا.
السؤال الذي يتبادر للذهن : هل القرب هو الذي يخدعنا دائماً ، أم أننا نحن من نمنح الآخرين حجماً أكبر من حجمهم الحقيقي بإرادتنا؟!!

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى