التوقيع الأزلي على جدار الرحمة …!!!
حين يرحم الله عباده، يجعل لبعضهم مفاتيح للقلوب، ويجعل الكلمة الطيبة بابًا واسعًا من أبواب النور.

✍️راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي :
في هذا العالم المزدحم بالضجيج، لا يموت الناس دائمًا من الجوع أو المرض أو الفقد، بل يموت بعضهم ببطء تحت ركام التجاهل. يمشون بيننا بوجوه هادئة، ويجلسون معنا على الطاولة نفسها، ويضحكون في الصور نفسها، لكن أحدًا لا يرى التعب المتراكم خلف أعينهم، ولا يسمع الأصوات المتكسرة التي تدور في أعماقهم. ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن إنسانًا قد يقاوم سنوات من الظروف القاسية، ثم يهزمه شعور واحد بأنه غير مرئي، غير مقدَّر، غير مهم في حياة أحد.
هنا تبدأ الحكاية التي يغفل عنها كثيرون؛ حكاية الكلمة الطيبة، وحكاية الثناء الصادق، وحكاية ذلك الضوء الصغير الذي يضعه إنسان في قلب إنسان آخر فيغير مجرى يومه، وربما مجرى عمره كله. إذا رأيت أحدهم منهكًا من الحياة فحدثه عن مزاياه، حدثه عن جمال قلبه، وعن أخلاقه، وعن الأثر الطيب الذي يتركه في الناس. أخبره أن وجوده ليس عابرًا كما يظن، وأن الله لم يخلق شيئًا عبثًا، ولم يضع روحًا في هذه الأرض بلا حكمة. فالنفوس تتعب كما تتعب الأجساد، والقلوب تظمأ كما تظمأ الحناجر، وبعض الأرواح لا ينقصها شيء من الدنيا بقدر ما ينقصها صوت صادق يذكرها بأنها ما زالت جميلة.
قال الله تعالى: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ [البقرة: 83]. وقال سبحانه: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾ [إبراهيم: 24-25]. ولم يكن النبي ﷺ يترك فرصة لبناء النفوس إلا اغتنمها، فقال: «الكلمة الطيبة صدقة».
تأمل هذا التعبير النبوي العجيب. صدقة. ليست زينة كلام، وليست مجاملة عابرة، وليست بروتوكولًا اجتماعيًا. إنها عبادة. ولأنها عبادة فإن أثرها يمتد أبعد مما تتصور. قد تظن أنك قلت جملة وانتهى الأمر، بينما تكون تلك الجملة قد بدأت رحلة طويلة داخل قلب إنسان لم يجد منذ سنوات من يلتفت إلى الجانب الجميل فيه. ولهذا كان الحكماء يدركون أن النفوس لا تزدهر بالنقد المستمر كما يظن البعض، بل تزدهر حين تجد من يوقظ فيها مكامن الخير. فالإمام الشافعي رحمه الله حين قال: «من وعظ أخاه سرًا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه»، كان يرسم منهجًا كاملًا في التعامل مع البشر، قوامه الستر والرفق والبناء لا الهدم.
وفي تاريخ المسلمين مشاهد بديعة من هذا الباب. كان رسول الله ﷺ يرى مواطن الخير في أصحابه فيبرزها ويشجعها ويمنحها مساحة للنمو. لم يكن يصنع جيلًا من المحبطين، بل جيلًا يعرف نعم الله عليه ويستثمرها في الخير. سمى خالد بن الوليد رضي الله عنه سيفًا من سيوف الله، وأثنى على أبي عبيدة رضي الله عنه بالأمانة، وشهد لأُبي بن كعب رضي الله عنه بالعلم. كان يبني النفوس قبل أن يبني الأمصار، ويزرع الثقة قبل أن يزرع الانتصارات.
أما نحن اليوم فكثيرًا ما نفعل العكس. نقف أمام حديقة كاملة من الزهور ثم ننشغل بورقة ذابلة. نجلس أمام إنسان مليء بالفضائل ثم نطارد هفوة واحدة كأنها القضية الكبرى في التاريخ البشري. وبعض الناس لو أُعطوا عدسة مكبرة لرؤية الخير لاستعملوها في البحث عن العيوب. وهنا تكمن المفارقة الساخرة؛ فالخطأ عند كثيرين يحصل على تغطية إعلامية كاملة، بينما الفضيلة تُدفن في الصفحة الأخيرة من الاهتمام.
وقد لخص كونفوشيوس هذا المعنى حين قال إن الرجل النبيل يلتمس الفضائل في الناس، بينما يبحث غيره عن النقائص. وقال سينيكا إن وجود الإنسان فرصة للإحسان.
وما أجمل هذه المعاني حين تُفهم في ضوء الإيمان بالله الواحد الأحد، الرحمن الرحيم، البر الكريم، الذي وسعت رحمته كل شيء، والذي يحب لعباده أن يتراحموا ويتلطفوا ويتعاونوا على الخير.
إن الله سبحانه هو مصدر كل فضل وجمال وخير، وما الرحمة التي نجدها بين الناس إلا أثر من آثار رحمته، وما اللطف الذي يسكن بعض القلوب إلا نفحة من فضله وإحسانه. ومن هنا فإن الكلمة الطيبة ليست مجرد مهارة اجتماعية، بل انعكاس لإيمان حي يرى أن الخير عبادة، وأن جبر الخواطر قربى، وأن نشر الأمل بين الناس باب من أبواب البر.
وقبل أعوام نُشرت قصة مؤثرة عن معلم طلب من طلابه أن يكتب كل واحد منهم أجمل صفة يراها في زميله. جمع العبارات ثم سلّم لكل طالب قائمة بما كُتب عنه. مرت السنوات وكبر الطلاب، لكن المفاجأة أن كثيرًا منهم احتفظوا بتلك الأوراق كما يحتفظ المرء بشيء ثمين. أحدهم وضعها في محفظته، وآخر في درج مكتبه، وثالث قال إن تلك الكلمات أنقذته في فترة كان يشعر فيها أنه بلا قيمة. كانت مجرد كلمات قليلة، لكنها فعلت ما لم تستطع فعله خطب طويلة ومحاضرات كثيرة.
وهكذا هي الرحمة حين تمر عبر الكلمات. لا تحدث ضجيجًا، ولا تطلب تصفيقًا، ولا تبحث عن شهود، لكنها تترك أثرها العميق في أكثر الأماكن هشاشة داخل الإنسان. لذلك لا تبخل بالثناء الصادق، ولا تبخل بابتسامة، ولا تبخل بدعوة طيبة، ولا تبخل بإخبار الناس عن الجمال الذي تراه فيهم. فرب كلمة تقولها اليوم تصبح غدًا حبل نجاة لشخص لم يخبر أحدًا أنه يغرق، ورب ثناء صادق يعيد إلى إنسان ثقته بنفسه بعد سنوات من التردد والانكسار، ورب قلب جبرته في لحظة ضعف يكون لك عند الله شاهدًا يوم تلقاه.
وفي النهاية، لا تُقاس عظمة الإنسان بما جمعه من أموال، ولا بما شيده من مبانٍ، ولا بعدد الذين صفقوا له، بل بما تركه من دفء في القلوب، وما زرعه من رحمة في الأرواح. فالرحمة هي اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة، والكلمة الطيبة هي العملة التي لا تفقد قيمتها مهما تغيرت الأزمنة، وجبر الخواطر ليس فعلًا عابرًا بل توقيع أبدي يتركه النبلاء على جدار الرحمة، ويبقى أثره طويلًا بعد أن يغيبوا عن العيون، لأن ما يُفعل لله يبقى، وما يُزرع في القلوب لا تمحوه الأيام.
للتواصل : [email protected]



