كتاب الرأي

سماوة الصلح.. حينما تضل العدالة طريقها في دهاليز الخصومات الكيدية

     ✍️حسن المقصودي-كاتب سعودي :

في محراب الحق الشامخ، وفي فضاءات التوجيه الرباني المعصوم، يرتفع “الصلح” كأحد أسمى قيم العدالة ومقاصد الشريعة الغراء؛ فهو لم للشعث، ورأب للصدع، وإطفاء لجذوة الضغائن التي قد تلتهم أواصر المجتمعات.
والصلح في جوهره ليس مجرد إجراء تقليدي روتيني يساق إليه الناس تحت وطأة الأعراف الجامدة، أو تبرئة للذمة طلباً للأجر فحسب، بل هو عدالة رفيعة يرتجي فيها المصلح براءة الذمة، وتحكيم واع لروح الكتاب والسنة، يتحرى فيه الصدق، والوضوح، والصبر، والحكمة.

صيانة العدالة عن مواطن الابتذال:
بيد أن هذا المقام الأسمى للصلح يفرض علينا وقفة تنويرية جادة؛ فليست كل جفوة عابرة تستحق أن يبذل لها طهر الصلح، وليس كل نزاع يرتقي لمرتبة التوسط وبذل الوجاهة.إن ابتذال الصلح لمجاراة أهل التجاوزات، والنزول عند رغبات أولئك المحبين للدعاوى والخصومات، هو في حقيقته طمس لمعالم الحق، ومباركة مبطنة للباطل. فالطبيعة النقية للعدالة تأبى أن تمتهن قيمها لإرضاء من اتخذوا من الخصومة شغفاً، ومن تتبع عثرات الآخرين منهجاً ومكسباً.

التحول المشبوه نحو منصات التسوية:
ومع إحكام الدولة لضوابط الشكاوى الكيدية، وتضييق الخناق نظاماً وقضاءً على مثيري الدعاوى الباطلة عبر حزمة من العقوبات الصارمة، بدأت تلوح في الأفق ظاهرة تستدعي اليقظة؛ لقد عمد هواة “التقاضي الكيدي” إلى تحويل بوصلتهم نحو منابر الصلح الودية ومجالس التسوية.
إنهم يسعون إلى استغلال نبل مقاصد المصلحين، ورغبة الأطراف النبيلة في تجنب الدخول في أروقة المحاكم، ليحولوا “طلب الصلح” إلى فجوة يمارسون من خلالها الضغط والابتزاز؛ لإجبار الأبرياء على التنازل أو دفع مقابل مالي في صلح ظاهره خير وباطنه استنزاف مشبوه.

أبعاد الإشكال النظامي والاجتماعي:
تتشعب هذه الأزمة لتلقي بظلالها على مناظر العدالة من زوايا متعددة، حيث يبرز البعد النظامي في انتقال خط المواجهة بعد ضبط الدعاوى الكيدية، لتصبح منصات التسوية هي الملاذ البديل لأصحاب المطالب الباطلة.
كما يتجلى البعد الأخلاقي في ابتذال الوجاهة الاجتماعية ومجاراة المتجاوزين، مما يؤدي إلى ممارسة الابتزاز العاطفي والضغط بالأعراف على الأبرياء لإجبارهم على التنازل. هذا التحول السلوكي يبني فئة تقتات على اصطناع النزاعات، مما يضع عبئاً مهنياً هائلاً على عدول الصلح، ويجعلهم في اختبار دائم للفراسة خشية التواطؤ غير المقصود مع الظالم.

فراسة العدول.. صمام أمان المجتمع:
إن هذا الواقع يضع عبئاً ثقيلاً على “عدول الصلح” والمصلحين في لجان التسوية والمنصات الرسمية. إن عليهم اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن يتحلوا بالفراسة البالغة والحكمة النافذة، وألا يكونوا جسراً تعبر عليه النوايا الخبيثة.
يجب التمييز بدقة متناهية بين نزاع حقيقي أفرزته طبيعة المعاملات البشرية ويسعى أطرافه بصدق لإنهائه، وبين دعاوى مصطنعة كيدية يراد من ورائها جر الخصوم إلى ساحات التنازل تحت ستار الود زوراً وبهتاناً.

خاتمة تنويرية:
إن صيانة مكانة الصلح هي جزء لا يتجزأ من صيانة العدالة نفسها. فالصلح خير ما لم يحل حراماً أو يحرم حلالاً، وما لم يصبح وسيلة لإسقاط الحقوق أو مكافأة للمتجاوزين. لتظل منابر الصلح حصوناً منيعة للحقوق، وملاذاً للأنقياء، وليغلق المصلحون بوعيهم كل فجوة يتسلل منها العابثون.
                     والسلام ؛؛؛

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى