التكريم المتأخر..وفاء للميت وظلم للحي!!

✍️أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي _ كَاتِبٌ سَعُودِيٌّ:
أحياناً وعلى استحياء نسمع خبراً يقول: تكريم للمبدع والمتميز فلان، الذي ذاع صيته، وقدم خدمات هي محل فخر الجميع. نفرح في البداية، ثم يخفت الفرح سريعاً لأن الخبر نفسه يتبعه تاريخ وفاة، وكلمة “الراحل” التي توجع أكثر مما تفرح. نكرمهم وهم تحت التراب، بعد أن بذلوا غاية الجهد، وأبدعوا، وقدموا لمجتمعهم الكثير والكثير، وأثبتوا جدارتهم، وكان لهم قصب السبق في ميادينهم، لكننا تأخرنا كثيراً.
السؤال الذي لا يغادرني هو: لماذا لا نحتفي بهم أحياء؟ لماذا ننتظر حتى يرحلوا ويغادروا دنيانا؟ المبدع وهو حي هو مصنع العطاء الحقيقي. عقله يعمل، ويده تنتج، وروحه تتوق إلى كلمة تشجعه وتشد من أزره. كلمة تقدير واحدة وهو حي تساوي ألف قصيدة رثاء تقال بعد رحيله. التكريم بذاته ليس درعاً من زجاج ولا شهادة توضع في إطار. هو وقود يومي نحتاجه لإشعال فتيل الإبداع، وهو اعتراف علني يقول له: نراك، ونفهم جهدك، ونقدر عطاءك، ونحتاج استمرارك.
أما تكريم الأموات فهو واجب ولا أحد ينكره، وهو لفتة وفاء لا بد منها. لكن لا نريدها بعد رحيل المكرم فقط. نريدها بحضوره، نريدها وهو يسمع اسمه ويبتسم، وهو يرى محبيه وطلابه الذين تعلموا منه في الصفوف الأولى، وهو يرى ثمرة عمره تتحدث عنه. نريدها ليسعد بعطاءاته وليكون حافزاً لغيره، فهذا هو التقدير الحقي الذي يصنع أثراً مستداماً. تكريم الميت لا يصل لصاحبه. لا يرى دمعة الفخر في عينه، ولا يسمع تصفيق الحضور وهو واقف على المنصة، ولا يشارك هو نفسه بالاحتفاء به ويكون جزءاً منه وقلبه ينبض معه.
هكذا تعودنا أن نكون بارعين في البكاء على الأطلال. نترك العالم كله يكتشف قيمة فلان، ويشيد بإنجازاته، ويكتب عنه، ويمنحه الجوائز، ثم نستيقظ متأخرين ونقول بفخر: هذا منا وكان بيننا. هل ننتظر حتى يكرمه الآخرون أو يفوز بجائزة ما، فنخرج صوره القديمة ونقول: هذا منا؟ وكأننا نحتاج إلى من يوقظنا ويذكرنا حتى نعترف بأبنائنا ونتذكرهم.
انظروا حولنا. الطبيب الذي اخترع جهازاً بسيطاً أنقذ به آلاف الأرواح في مستشفى طرفي، والمعلم الذي خرّج أجيالاً وربى عقولاً قبل أن يدرّس مناهج، والكاتب الذي شكّل وعي أمة بكلمة صادقة، والمهندس والمخترع والفنان الذي سبق زمانه بعشرين سنة. هؤلاء لا يحتاجون الإشادة بهم بعد موتهم. لا يحتاجون معلقات شعرية طويلة، أو كلمات الإطراء والتمجيد. يحتاجون منصة وهم على قيد الحياة. يحتاجون أن يروا بأعينهم أثر غرسهم، وأن يسمعوا من أفواه الناس: شكراً، لم نكن لنتعلم لولاك.
التكريم المتأخر فيه قسوة خفية. كأننا نقول للإنسان طوال عمره: أنت لست مهماً، ثم بعد موته نكتب على لافتات كبيرة: كان عظيماً. أي ظلم هذا؟ وأي رسالة نرسلها للذين لا يزالون بيننا أحياء في الميدان ويعملون بجد وإخلاص وتفانٍ وبصمت؟ يريدون عطاءاتهم تتحدث عنهم.
المجتمعات العظيمة تفهم هذه المعادلة جيداً. تحتفي بأحيائها، تجعلهم رموزاً حية يراها الصغار فيكبرون على الحلم. تستفيد من خبرتهم وتستشيرهم وتضعهم في المكان اللائق بهم، قبل أن ترحل أجسادهم. لا تؤجل التقدير لأنه يخسر قيمته كلما تأخر.
فلنغير القاعدة اليوم. لنبحث عن المبدعين حولنا وبيننا في مدارسنا ومستشفياتنا ومصانعنا وجامعاتنا. لنكرمهم وهم يسمعون، وهم يبتسمون، وهم يكملون العطاء بقلب أقوى. لنعطهم حقهم وهم قادرون أن يردوا الجميل بمزيد من العطاء.
لأن أجمل تكريم في الدنيا هو أن تقول للإنسان: أنت تستحق، وهو قادر أن يسمعها، وأن ترد له شيئاً من جميله وهو حي يرزق.
للتواصل: @al_mozine



