كتاب الرأي

سؤال المواجهة وانثيالات الإجابة العميقة في نصِّ (من أنا؟!) للشاعرة/هند النزارية

✍️محمد سلطان الأمير – كاتب سعودي :

-عرْض النص:
من أنا؟!
مـن أنـا؟! يـا للشتات !
مـــا أقـــل الـمـفرداتْ!

حــــيـــرةٌ أوقــعــتَـنـي
فـيها فـخذ مـني وهاتْ

وأعــنِّــي إن تــكـرمـتَ
بــبــعـض الـمـعـطـيـاتْ

إنــــه لــغــزٌ وذهــنــي
مـنذ دهـر فـي سـباتْ

مـن أنـا؟! هل لي أنًا؟!
أم أنـني محض افتئاتْ!

أم تــرانـي حـلـقـة مــا
بــيــن مــفـقـود وآتْ؟!

ربــمــا نــقـطـة نــــون
فــي سـجل الـكائناتْ!

ربــمــا رمـــزٌ لـفـحـوى
الـتيه أو مـعنى الـفواتْ

ربـما اسمٌ جائزُ الصرف
عـــلــى رأي الــنــحـاةْ

فكرة في الغيب ضاعت
بــيـن رصـــدٍ وانــفـلاتْ

أأنـــبِّـــيـــكَ بــــســــرٍ
لـم يـزل في المبهماتْ

لـي هـنا ذاتٌ ولي في
الــعـالـم الـغـيـبي ذاتْ

ألــتــقــيـهـا كـــلـــمــا
ضـيعتُ مسبار الجهاتْ

ســوف أدعـوها مـساءً
لــنــحــلَّ الأحــجــيـاتْ

وسـأعـطـيـكَ جــوابـي
فـانـتظرْ حـتـى الـغـداةْ
____________________
-مدخل.!
هي ساعة ٌمن سويعات الزمن الراكض بلاهوادة إلى مالانعلم من مجريات ومآلات ،تلوح كسحابة ريَّانة بالمطر أثناء نهار ملفع بالهجير أوليل محتشد بالحلم والأحجيات.
هي ساعةٌ في حياة الأناسي لن تكون إلا استثنائية
في هِباتها المصفَّاة من الشواغل وهيمنتها؛ومن المتاعب وأثقالها؛
إلى أن تتشكل نسيجاً ناعماً من اللحظات الهادئة التي يجنح إليها الكاتب أو الشاعر وغيرهمامن المفكرين والفلاسفة وذوي النباهة.
هنالك يحلو النأي بالنفس عن الصخب والضجيج المستعر في محيط الحياة الإنسانية المنداحة ،وعن سفاسف الآراءوالترَّهات والأقاويل المتربصة ..
وساعتذاك تتاح مشروعية ملاقاة(الأنا) والإفضاء إليها سواء كان الجو حرباً معها أو سلاماً.
وهي لحظات ستفرض على الشاعر
أو الشاعرة أوغيرهما ذلك السؤال الجوهري المتسلل سرّاً وجهراً إلى دخيلته والمرتبط بطبيعته الخاصَّة وكينونته التي هو عليها ورسالته في الحياة وغايته المنشودة التي يسعى إليها ويتوق إلى الظفر بها ،وما إلى ذلك من رغبات ملحاحة مؤرِّقة؛فيتوجه حينذاك إلى ترجمة إجابته ؛في محاولة جادَّة باسلة تتيح له النفاذ الانسيابي إلى مكنونات ذاته ؛واستخراج أو استبطان هواجسها السلبية والإيجابية.
فإذا استطاع اصطياد شحناته وانفعالاته ؛لزمه إيداع تلك الخلجات النفسية الحبيسة في قالب فني مصوّر من القوالب المحببة إلى نفسه:(مقالة؛قصيدة؛ خاطرة) الخ ؛
وفي أحيان أُخرى يحدث أن يأتي سؤال الأنا إليك مباغتاً من جهة قريبة أو بعيدة؛في معرض أسئلة حوارية معينة؛أوضمن طقس معين من الطقوس الاجتماعية؛تتطلب الحديث المباشر عن الذات لا الكتابة،ولاتملك حينئذ إلا أن تجتهد في إيجاد إجابة دقيقة مكثفة؛آخذاً في الاعتبار أن تبلغ بعض درجات الإقناع إن استطعت الوصول إليها.
ولاجدال أنَّه أصعب سؤال مؤرِّق قد يواجَه به الإنسان أيَّاً كان في رحلة وجوده المترامية.
وتكمن الصعوبة في أن هذا السؤال يتطلب التجرد التام من طغيان الأنانية ؛والتزام جانب الحياد؛وشفافية المكاشفة ؛وهي قيودٌ معنوية ذات سلطان نافذ لامجال لإنكاره؛ومن شأن ذلك أن ينحو بالكاتب منحى التفلسف الصارم؛فتجيء كتابته تبعاً لذلك مصطبغة بقدر غير يسير من التجريد والعقلانية.
والكاتب الملهم هو الذي يفطن إلى تلك المسافة الدقيقة بين الفكر وسلطته؛والوجدان واشتعالاته؛لئلا يفقد العمل الشعري رواءه وتأثيره المطلوب في المتلقين على اختلاف طبقاتهم ونزعاتهم .
وفي هذا السياق يؤثر عن الفيلسوف أفلاطون قوله: «أصعب أنواع الصداقة:هي صداقة المرء لنفسه».
وهو إلى جانب ماذكرت سؤال زئبقي رجراج،يفرض عليك التغلغل في بواطن النفس وسبرأغوارها بجلاء؛ حتى تقف على ذروة الضمير (أنا) باحثاً عما استقر بين جوانحه من نوازع ومطالب وشيات أخرى لاعداد لها.
وفي كل الحالات لامفرَّ من المواجهة؛
ولو في إطار الكتابة الأدبية كما لدى شاعرة النص الذي نحن بصدده.
______________________
-معايشة النص :
تستهل الشاعرة نصَّها القصير المكثف بأداة الاستفهام (من) والمسؤول عنه (أنا)؛فكأنما هي بصدد تعريف الآخرين بشخصيتها الإنسانية وموقعها على خارطة الوجود..
ويبدو أن طرفاً ذا صلة ما بالشاعرة تعمَّد مفاجأتها بذلك السؤال الشخصي؛وربما أُلقي عليها السؤال من جهة أدبية أو إعلامية تهتم بشعرها على نحو خاص؛
ورحلتها المتميزة في دنيا الحياة الأدبية
ضمن أسئلة أخرى طرحتْ عليها أثناء محاورتها؛على أنَّ محاولة الاستقصاء عن هوية السائل وصلته ليست بذي بال مقارنة بأجوبة الشاعرة؛وإحالاتها العقلانية الواردة في النص دون التنازل أو التضحية؛بأهمية الرواء الشعري اللازم في بناء التجارب الإبداعية ؛وهذا ما ستسلط القراءة الضوء عليه.
ومما هو ملاحظ أن السؤال جاء إليها مباشراً على هذه الصيغة:(من أنتِ)؟!
ولو إن الشاعرة إنما تسائل نفسها بنفسها في قولها :من أنا ؟!
لما كان للبيت المتضمن فعل أمر لمخاطَب ما معنى وهو قولها بعد هنيهة من المطلع :
حــــيـــرةٌ أوقــعــتَـنـي
فـيها فـخذ مـني وهاتْ
ومن الطبَعي أنَّ مضامين لاعداد لها تنطوي تحت هذا السؤال الحادّ؛فهو -رغم قصركلماته-سؤال مفتوح على خبايا النفس الإنسانية؛ودهاليزها العميقة وطبيعتها المتصلة بها؛واهتماماتها الواسعة؛وتعايشها مع واقعها المحيط بها؛ومافيه من أحداث مائجة ومواقف متباينة ؛وصولاً إلى استخلاص طابعها المستقلّ الداخل في نطاق رؤيتها الخاصة التي تتميز بها عن الآخرين؛من صُنَّاع الكلمة؛والوعي الذاتي المستقلّ.
لم يكن أمام الشاعرة من مفرّ أو بمعنى أصح من مندوحة لاسيما وهي
في هذا الموقف التأملي سوى الردّ الحاسم عليه في إطار الشاعرية الهفهافة التي تمتاز بها في نصوصها كافة مع أخذها بنصيب من الفلسفة اللازمة كي تؤهلها لمسألة التغلغل إلى عمق أعماق السؤال المحوري الدائر حول (أناها).
لم تكن فكرة اللجوء إلى فكرة تأجيل الإجابة عن السؤال أوالنكوص عنها مما يدور في خَلَد الشاعرة فما كان منها إلا أن امتشقت بوصلتها الفنية؛وشحذت طاقتها الزاخرة؛واتجهت في ضوء تسلحها بالبيان والفصاحة إلى السباحة في بحر المكاشفة المركزة الساعية إلى تجلية أحاسيسها؛ونظرتها الوجودية؛وما إلى ذلك من رؤى أشعَّ بها النص.
ومما يسترعي الانتباه أنَّ الشاعرة استقبلت السؤال المفاجئ استقبال الحيران في بادئ الأمر ،ولذلك ذهبت تصوّر معالم حيرتها في الانثيالات الشبيهة بالبحر المتلاطم الأمواج.
وكون السؤال جاء مباغتاً حسب اعتقادنا لايسوِّغ لنا هذا أن نقول إنَّ الشاعرة كانت قبل ذلك خالية الذهن من سؤال مصيري كهذا سيلقى عليها؛في عاجل الوقت أو آجله ،إذ لايتفق تصور ساذج كهذا مع منجزاتها الشعرية السابقة؛بل إن كلَّ قصيدة وجدانية أطلقت سراحها في الآفاق نمَّت إلى الحياة الأدبية ببعض الأوصاف عن طبيعتها الإنسانية ؛وحملت إلى المتلقي إشارات معينة عن واقعها .
أوَ ليست القصيدة- في حد ذاتها-في تراكيبها اللغوية قِطعاً تصويرية مستوحاة مما استقرّ بين الجوانح من رؤى وتطلعات؟!
لذلك مضت الشاعرة على صراط المواجهة طالبةً إلى السائل مشاطرتها الحديث بإعمال الذهن معها وتزويدها ببعض المعطيات المساعدة لها على تجاوز هذا الامتحان العاصف الذي هي الآن
في قاعته الصامتة وحيدة إلا مما يمور به وجدانها ؛ومما تزخر به جوانحها ؛ومما تراه متسقاً مع حياتها ومحيطها المعيش..
بعد تلك اللمحات الذكية قررتْ مجابهة سؤال الأنا على انفراد؛وأن تخوض ذلك البحر اللُّجي؛ومضى بها شراعها الجامح في هذا الفلك؛بين مدّ وجزر؛فالسؤال الواحد الذي أُلقي عليها؛تولَّدت عنه أسئلة أخرى كانت تصطرع في أعماقها؛وظلت تهطل عليها هطولاً لاهوادة فيه؛وحين لاح لها في خضم ذلك؛بصيصٌ من هدأة فكرية؛إن صح التعبير؛
وصفتْ السؤال العصي المُلقى عليها في بداية الأمر أنه (لغز) على سبيل الإجمال؛وطبيعة اللغز الاستعصاء على الإجابة؛وألمحتْ إلى أن حضورها الذهني ساعتها؛واليقظة المطلوبة لمجابهة سؤال كهذا في سبات عميق.
لكنَّها مالبثت أنْ خرجتْ من دائرة ذلك الذهول الذي بسط نفوذه عليها ؛ وغلَّف منطقها بعض الوقت؛فمضت مسترشدةً ببعض تصوراتها تترجم (أناها).
على أنَّ الحيرة المستبدةماتزال قابضة على مساحات تفكيرها؛ومن هناك اشتدت عليها وطأة التساؤلات الذاتية الحادة؛فوقفتْ أمامها-والفزع يرسم دوائره حولها- تطالب ذاتها الأخرى المغيَّبة عن الإفصاح لها؛وتعيين طبيعتها على وجه التحديد؛فإذا بنا أمام ذاتين اثنتين انشطرتا ؛الأولى تسأل بإلحاح كالمستنجدة؛والأخرى مطرقة ذاهلة ..
وذلك في قولها:
أأملك حقاً (أناي) ؟!
أم أن مايدور في ذهني من خيالات (محض افتئاتْ)؟!، أي مجرد اسْتِبْدَاد بالرأي؛أو مفتريات لاصحة لها ؛ترسخت في الذاكرة من عهود مبكرة؛فيما كان يصدر من تعليمات توجيهية مفروضة عليها قسراً.
أم تراني مجرد حلْقة بين ماض أصبح مهملاً منسياً ؛وبين مستقبل غامض؛لاسبيل إلى اكتشاف معالمه.؟!
وهي بتلك الرؤية تتساوق مع ابن الرومي في قوله:
أخافُ على نفسي وأرجو مَفازَها
وأستارُ غَيْب اللّهِ دونَ العواقبِ!

ألا من يريني غايتي قبل مذهبي
ومن أين والغاياتُ بعد المذاهبِ؟!

لقد بدت تلك الأسئلة الشائكة التي واجهت بها ذاتها؛محاصرة لها من كل الجهات؛ولاسبيل سوى المواجهة؛
فمضى بها تيارها العقلاني على شاطئ
(ربـَّـمــا)،ومن هناك أرادت تقريب صورة أناها على نحو فلسفي تجريدي؛فوصفت نفسها (بنقطة نون)؛تعبيراً منها عن تواضعها ؛وأعقبت ذلك بتسميتها (رمـــزٌ لـفـحـوى الـتيه؛ أو مـعنى الـفواتْ)،
وفي ذلك إشارة منها إلى عُتمة زمن قديم؛ ومرحلة موغلة في التيه؛ تشكلت فيها ثقافتها ونظرتها الكونية ؛وإلى ما يتمخض عن رمزية (الفوات) من مطالب وآمال كانت تطمح إليها ؛إلا أنَّ الأبواب أُوصدت دونها.
وفي خضمِّ هذه التجاذبات؛ أملت عليها طرافتها الشعرية المشوبة بقدر من السخرية -على نحو من الأنحاء- نتيجة ما آلت إليه حياتها الماضية؛ أن تساير النُّحاة مومئةً بذلك إلى اسمها المعروف بين الناس(هند) باعتبار جواز صرفه ومنعه وفقاً للقاعدة المعروفة.
ثم رأت أنَّ(أناها) التائهة مجرد فكرة كانت في علم الغيب ،
وعندما همَّت بالتشكل على أرض الواقع ؛ضاعت معالمها بين (رصـــدٍ وانــفـلاتْ)؛وهما حالتان تعبران عن طغيان القلق وعدم انسجام الشاعرة مع كل جو مشحون متوتر.
ولما أحسَّت الشاعرة باستغراق السائل وذهوله وعدم الخروج بشيء مما أفصحتْ عنه في الإبانات الماضية؛ -أو ربما فطنت إلى شريحة أخرى من الدهماء وأضرابهم- ؛دنتْ إليه قائلةً:هناك سرغامض ودفين في حناياي؛لم أعلن عنه لأحد من قبل؛وسأخصك به؛وهو ما يمكن تسميته (بالانشطار) أو الانفصال ؛حيث إنَّ لي ذاتين شخصيتين، واحدة تراها الآن رأي العين المجرّدة ذات كينونة محسوسة ولها كيانها في عالم الحياة؛ومتطلباتها الحِسيَّة.
وأخرى متسربلة بعالم الغيب محجوبة عن أنظار الناس أجمعين؛وهي التي أجنح إليها منفردة بها كلما خشيت العثار،أو استغلقت عليَّ معالم الدروب ووجدتني في مهبِّ الضياع؛
لا ألوي على شيء.
هذه الروح أجد عندها الأمن والسكينة والوداعة وأجد عندها الرَّحابة وانفساح الأفق .
وهي وحدها تملك مفاتيح الإجابة الدقيقة عن سؤال (الأنا)؛وعن سائر الأُحجيات العالقة بذهنك.
ومن أجل ذلك سأدعوها وأعقد معها مؤتمراً وجهاً لوجه لحل الأحجيات، وغداً أيها السائل ترقبْ الإجابة النهائية لذلك السؤال العصي.
وهنالك أُسدل الستار في انتظار الغد القادم .
______________________
بعض سمات النص الفنية:
-كون القصيدة تدور حول سؤال الوجود والهوية: «من أنا؟»
فمن الطبيعي أن تغلب عليها النزعة التأملية الفلسفية.
-تكرار الاستفهام« بمن وهل والهمزة» في عدة مواضع من النص مما يعكس الحيرة والبحث المستمر وتفاقم حدة الأسئلة لدى الشاعرة،
كما أن تكرار «من أنا؟» و*«ربما» يوحيان بشيء من التردد في حسم الإجابة ، ويشيان ببعض المصاعب الواقفة في طريق البوح .
-التزام الشاعرة بعنصر الوحدة العضوية ،فجميع الأبيات متماسكة مؤتلفة كالعقد المنظوم حول فكرة واحدة هي محاولة «اكتشاف الذات».
-ورود سلسلة من الألفاظ الدالة على الضياع والتيه مثل: «الشتات، الحيرة، التيه، الفوات، المبهمات.» بما يؤكد حالة الشاعرة القلقة وكمية العذابات المحيطة بها.
-التدرج الفكري؛ من الحيرة والجهل بالذات إلى التطلع لاكتشافها في خاتمة القصيدة.
-احتشد النص ببعض الصور الذهنية والرمزية مثل: «نقطة نون في سجل الكائنات» و*«مسبار الجهات»*، وهي صور موحية ذات أبعاد فكرية.
-المقابلة والتضاد في نحو: «مفقود وآت»، «رصد وانفلات»، مما يثري المعنى.
-اختارت الشاعرة «مجزوء بحر الرمل» لتناسبه وانسجامه مع كثافة المعاني ورغبة الشاعرة في الوجازة الدقيقة خاصة في مثل هذه المواقف الذاتية.

تلك كانت جولة خاطفة في بعض معالم النص على أمل أن تتاح فرصة أخرى لاستنتاج بعض سماته الفنية.
وآخر دعوانا أنِ الحمد لله.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى