كتاب الرأي

( عندما تعانق الحقيقةُ المحال )

        ✍️ ناهد شما – كاتبة أردنية :

كثيرًا ما نقف أمام مواقف تبدو مستحيلة الحدوث، فنصنفها في خانة الأحلام أو الأوهام أو الأمنيات البعيدة التي لا يمكن أن تتحقق. نرسم حولها أسوارًا من الشك، ونضع بينها وبين الواقع مسافات طويلة، حتى نكاد نجزم أن الوصول إليها ضرب من المحال. لكن الحياة كثيرًا ما تفاجئنا بأن ما حسبناه مستحيلًا قد يصبح حقيقة، وأن ما استبعدناه قد يقف يومًا أمام أعيننا واقعًا لا يقبل الجدل.
فالحقيقة ليست دائمًا ما نراه في اللحظة الراهنة، بل قد تكون شيئًا يتشكل في الخفاء، تنسجه الأيام بصمت، وتبنيه الإرادة حجرًا فوق حجر. وكم من إنسان سخر الناس من حلمه لأنه بدا أكبر من إمكانياته، ثم أثبتت السنوات أن ذلك الحلم لم يكن وهمًا بل حقيقة كانت تنتظر موعد ظهورها.
إن المحال في نظر البشر كثيرًا ما يكون نتيجة محدودية الرؤية لا استحالة الأمر ذاته. فالإنسان يحكم على الأشياء بما يملك من معطيات، بينما تجري الأقدار في مسارات لا يعلمها إلا الله. لذلك نجد أن أبوابًا أُغلقت في وجوه أصحابها فظنوا أن الطريق انتهى، ثم فُتحت لهم أبواب أخرى لم تخطر لهم على بال. ونجد أن قضايا بدت غامضة لسنوات طويلة، ثم ظهرت خيوط الحقيقة فجأة لتبدد ظلام الشكوك.
وعندما تعانق الحقيقة المحال، يدرك الإنسان أن اليأس لم يكن إلا حكمًا متسرعًا، وأن الصبر لم يكن عبثًا، وأن انتظار الفرج لم يذهب سدى. ففي تلك اللحظة يكتشف أن بين الممكن والمستحيل مساحة واسعة اسمها الأمل، وأن الإرادة الصادقة قادرة على تجاوز كثير من العقبات التي تبدو عصية على الحل.
ولعل أجمل ما في هذه الحياة أن المفاجآت لا تتوقف، وأن الأيام تحمل في طياتها ما يعجز العقل أحيانًا عن توقعه. لذلك لا ينبغي للإنسان أن يدفن أحلامه لمجرد أن الطريق إليها طويل، ولا أن يتخلى عن حقه لأن الوصول إليه يبدو بعيدًا، فكم من حقيقة ظلت مختبئة خلف ستار الزمن حتى جاءت اللحظة التي خرجت فيها إلى النور.
إن معانقة الحقيقة للمحال ليست خرقًا لقوانين الحياة، بل هي تذكير دائم بأن قدرة الله فوق كل تصور، وأن الأقدار قد تحمل من التحولات ما يجعل المستبعد قريبًا، والبعيد حاضرًا، والحلم حقيقة تُروى بعد أن كان مجرد أمنية يتداولها الخيال.

لذلك تمسك بالأمل، وواصل السير مهما بدا الطريق شاقًا، فربما كان ما تراه اليوم محالًا هو حقيقة الغد التي لم يحن موعد ظهورها بعد.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى