كتاب الرأي

{نَبِّئْ عِبَادِي}.. عندما يتجلى اللطف الإلهي في صيغة أمر

زاوية جُمعتنا آيَة:

        ✍️حسن المقصودي- كاتب سعودي:

في زحام الوجود، وضجيج الماديات التي تلتهم سكون الأرواح، يلوح في الأفق نداء سماوي يعيد صياغة الطمأنينة في القلوب المنكسرة. إنه ليس مجرد إخبار، بل هو مرسوم إلهي صارم، صِيغ بأمر جازم: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}. هنا، يتوقف الزمن ليتأمل العقل البشري عظمة الآمِر، وجلال المأمور به، في خطوة تتجاوز حدود الوصف إلى آفاق الدلالة والدهشة.

فلسفة الأمر: التكليف بالبشارة
تتجلى عظمة الآية ابتداءً من الفعل المفتتح بها: {نَبِّئْ}. لم يأتِ النص بصيغة الخبر العابر، بل جاء بصيغة الأمر الموجه لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وكأن الحق سبحانه وتعالى يجعل من إبلاغ المغفرة والرحمة وظيفة رسالية عاجلة لا تحتمل التأجيل. هو أمر ملكي مشدد بنشر السلام الروحي، وتفكيك حصون اليأس التي تبنيها الذنوب في ذواتنا. هذا التكليف الصارم بالبشارة يعكس رغبة المشيئة الإلهية في أن يظل باب الرجاء مشرعاً بقوة القانون الإلهي، لا يملك أحد إغلاقه.

بلاغة الانتماء: دفء النسبة وسحر الهوية
في قوله {عِبَادِي} التفاتة تأخذ بمجامع القلوب؛ فلم يقل نبئ الناس أو نبئ المذنبين، بل أضافهم إلى ذاته العلية إضافة تشريف وتحبّب، حتى في حال تقصيرهم ووجود خطاياهم. هذا الخطاب الحداثي في عمقه النفسي يكسر العزلة الوجودية للإنسان، إنه يمنحه الهوية والأمان، ويؤكد له أنه رغْم تيهه وضياعه في دروب الحياة، لا يزال ينتمي إلى حمى الخالق العظيم، الذي يتودد إليه بياء النسبة الدالة على القرب المطلق.

التوكيد المزلزل لليأس
ثم تتدفق الآية بترسانة لغوية من أدوات التوكيد الحاسمة: {أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}. إن اجتماع أنّ المشددة، مع ضمير الفصل أنا، مع التعريف بأل في الغفور الرحيم، ليس مجرد صياغة بلاغية، بل هو إعلان سيادي قاطع، ونفسٌ لكل فكرة تشاؤمية تدعي امتناع الغفران. هنا يتجلى الإعجاز في حصر صفة المغفرة التامة والرحمة الشاملة به سبحانه، وكأن الكون كله يضيق عن أخطاء البشر، ليتسع لها عفو الله وحده الذي يستر الذنب ويداوي أثره.

هندسة التوازن النفسي
إن هذا النداء الذي نزل قبل قرون، يمثل قمة الحداثة في معالجة القلق الإنساني المعاصر. إنه لا يدعو إلى التواكل، بل يصنع هندسة توازن دقيقة في النفس البشرية، خاصة حين ندرك أن هذه البشارة متبوعة بيقظة الحذر: {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}. هذا المزيج العبقري بين المطلق الودود والعدل الحازم، يحمي الإنسان من السقوط في فخ الغرور، كما يحميه من الانتحار الروحي تحت وطأة الإحباط.

خاتمة: رسالة إلى الأرواح الراحلة والباقية
إن {نَبِّئْ عِبَادِي} ليست مجرد آية تُتلى، بل هي منهج حياة، ودستور رحمة كُتب بحبر اللطف الإلهي. وفي غمرة هذا اليقين، نرفع أكف الضراعة أن تفيض هذه المغفرة الموعودة، وتلك الرحمة الموصوفة، شآبيب نور وطمأنينة على أرواح الذين فارقوا دنيانا، وسبقونا إلى دار الحق؛ ليتنعموا ببرد العفو الإلهي وسعته، مستبشرين بالنداء الأزلي الذي لا يخيب قاصده.
                  والسلام ؛؛؛

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى