*”أوجاع البشر ليست كلها مرئية”*

✍️عبدالله العجمي – كاتب عُماني:
تتسارع بنا الأيام في زحمة الحياة، ويتسارع إيقاعها، وأوجاع البشر ليست كلها مرئية. فتمرّ بنا وجوه كثيرة نراها في بعض الأحيان مبتسمة، وبعضها الآخر صامتة ومنشغلة، فنتخيّل أننا نعرف قصتها من مظهرها، إلا أن الحقيقة أبعد مما نتخيّله وأعمق من ذلك بكثير. فلا كل ألم يُرى، ولا كل وجع يُحكى. هناك أوجاع تخفى في الصدور خلف صمت طويل أو ابتسامة مصطنعة.
الكثير من البشر يعانون ويعيشون معاناة إمّا اجتماعية أو نفسية، ولا يتركون أثرًا واضحًا على ملامحهم. ففي بعض الأحيان نجد الإنسان متفوقًا في مجالات الحياة، في عمله ودراسته، ويكون حاضرًا بقوة في المجتمع المحيط به، لكنه يحمل في داخله قلقًا أو خوفًا أو حزنًا لا يعلم به أحد. فيجب علينا أن نتمهّل، وألا نحكم على الآخرين من مظهرهم، فنكون قد ظلمناهم من دون قصد، فتكون النتائج مؤلمة.
في بعض الأحيان نلقي كلمة بلا تفكير، نعدّها بسيطة وكلمة عابرة لا نحسب لها حسابًا، لكنها تكون ذات أثر بالغ في نفوس أشخاص يمرّون بظروف صعبة. فبعض الكلمات إمّا أن تكون بلسمًا يداوي الجروح ويخفف الألم، أو تكون جرحًا يزيد الجراح السابقة المتراكمة.
هنا تأتي أهمية التعامل باللطف، ليس بوصفه مجاملة إنسانية للتخفيف من الألم، ولكن كقيمة إنسانية متجذّرة في النفس.
إن تعاملنا بالرحمة لا يُعد ضعفًا، بل قيمة اجتماعية تعكس وعينا ونضجنا الأخلاقي. أن نتعامل بلطف وتفهّم لا يعني أننا نتخلّى عن مبادئنا وآرائنا، ولكننا ندرك أن لكل إنسان ظروفه ومعركته الخاصة التي لا نعرف نحن عنها شيئًا.
ففي بعض الأحيان تكون الضغوط النفسية ذات تأثير على السلوك والعلاقات، وتؤثر على قدرة الإنسان على الاستمرار، لذلك يحتاج المجتمع إلى ثقافة الفهم بدلًا من الإدانة، وإلى أن يُصغي بدلًا من إطلاق الأحكام.
أحيانًا كثيرة يكون الإنصات الصادق هو طوق النجاة، وأحيانًا أخرى لا يحتاج الإنسان إلى حل، بل إلى قلب شخص يستمع إليه دون استهزاء أو تقليل من شأن ما يشعر به في تلك اللحظة.
المسؤولية الاجتماعية تحتم علينا جميعًا أن نكون سببًا في التخفيف عن الغير، وألا نكون سببًا في زيادة جراحه وآلامه، فلا نقيس قيمة الإنسان بما يُظهره فقط.
وفي النهاية،،،
تظل الرسالة الأسمى التي يجب أن نحملها أن نمشي بلطف ونحن نخطو نحو البشر، وأن نكون لهم بلسمًا شافيًا لجراحهم، وألا نكون جرحًا لهم. فكل كلمة رحيمة أو موقف متفهّم قد يكون سببًا في إنقاذ قلب أتعبه الألم، دون أن يراه أحد.



