كتاب الرأي

أخلاق البيع.. حين يصبح الغش مهارة

✍️ أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي كَاتِبٌ سعودي:

في زمن طغت فيه المادة على القيم، وانقلبت فيه الموازين، تحوّل البيع عند بعضهم من رسالة أمانة ومصداقية، إلى حرفة خداع ومهارة تضليل. لقد أصبح من أصول “فنون التسويق” الحديثة عند فئة من الناس: أن تغش الزبون، وتدلّس عليه، وتكذب في وصف السلعة، بل صارت هذه الأساليب سمة ظاهرة، يتباهى بها بعضهم ويعدّها من دلائل “الشطارة” والدهاء التجاري الذي يُحتفى به.

فترى البائع يخفي عيوب بضاعته، ويزيّن قبيحها بالألفاظ البرّاقة، وإن حتاج للإقناع، يحلف الأيمان المغلّظة ليروّجها، وقد يجمع من وراء ذلك أموالًا طائلة ومكاسب مليونية. يظن المسكين أنه ربح الصفقة، وأنه “البائع الشاطر” الذي لا يُغلب. ولم يعلم أن ما جمعه سُحت، وأن ما كسبه وبالٌ عليه في الدنيا قبل الآخرة، لأن البركة قد نُزعت، والسخط قد حلّ.

وهنا مكمن الخطر الذي يغفل عنه: إن الجزاء من جنس العمل، وهي سنّة كونية لا تتبدّل ولا تتخلف. فكما غششت الزبون اليوم في سلعة تعرف عيبها وتخفيه، سيأتي غدًا من هو أمهر منك في الغش، فيغشّك ويدلّس عليك في أمر تجهله. ستشرب حتمًا من نفس الكأس التي سقيت منها غيرك. قد يكون ذلك في تجارتك، في صفقة العمر التي تنتظرها. وقد قالها النبي صلى الله عليه وسلم قاطعة: “من غشّنا فليس منا”، فأخرج الغاشّ من دائرة أهل الإيمان الكامل.

وأمام هذا الواقع المرير نتساءل: هل آن الأوان لمراجعة مفردات ومناهج مهارات التسويق التي تُدرّس في معاهدنا وجامعاتنا؟ هل فيها خلل ما يحتاج إلى إعادة صياغة جذرية؟ لقد ترسخ عند كثيرين، مفهوم خطير، مفاده أن الطريق إلى الثراء والمكاسب المليونية يمر حتمًا عبر الكذب والخداع، وأن الضحية الطبيعية هي الزبون. وبهذا الفكر غابت البركة، وحلّت محلها شؤم الغش التي تمحق المال وإن كثر عدده.

إننا اليوم ندور في حلقة مفرغة، فهناك من يطلب الكسب السريع بلا ضوابط، ويفتقد في الوقت ذاته حلقة الثقة التي هي أساس كل سوق. ولسنا نستعيد هذه الثقة إلا بالعودة إلى المصداقية والشفافية. نحتاج إلى الصدق لتطمئن النفوس، ويطيب الكسب، وتحلّ البركة التي هي خير وأبقى من كثرة المال. وقد بيّنها المصطفى صلى الله عليه وسلم: “البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما”.

والخلاصة التي يجب أن ترسخ: إن السوق مرآة صادقة لأخلاق المجتمع. فإذا صلح البائع واستقام على الصدق والأمانة، صلح السوق كله، واطمأن المشتري، وتنزّلت البركة على الجميع. ولن يتحقق ذلك إلا بتضافر جهود مؤسسات المجتمع كافة: فالأسرة تزرع، والمدرسة والجامعة تعلّم وتصحح مناهج التسويق لتربطها بالأخلاق، والجهات الرقابية تحاسب بلا هوادة، والإعلام يوجّه ويوعّي.

ويبقى الدور الأعظم للدعاة والخطباء، في التنبيه على أن الغش كبيرة، تمحق البركة وتجلب الشؤم وتقطع الصلة بالله. يجب أن تعود منابر الجمعة لتبيّن فقه البيوع، وتؤكد أن التجارة مع الله هي الأربح، وأن درهمًا واحدًا من حلال خير من قناطير من حرام.

فليوقن كل تاجر أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأن ما عند الله من رزق وبركة وتوفيق لا يُنال بمعصيته، وإنما يُنال بتقواه والصدق مع خلقه.

للتواصل :[email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى