الدباغ (الأرطى).. سر الآباء والأجداد

✍️عائشة السبيعي -كاتبة سعودية :
في ذاكرتي صورة لا تغيب لوالدي -أطال الله في عمره- وهو يعود من رحلات البر ، حاملاً معه “الأرطى” بعد رحلة بحث طويلة بين رمال الصحراء وكثبانها. كان يجني أغصانها الخضراء الغضة بعناية، ويعود بها إلى المنزل لتأخذها أمي رحمها الله ؛ وتضعها في الشمس ؛ حتى تتيبس وتجف ، ومع مرور الوقت وتأثير “اليباس”، يتغير لونها من الأخضر لتصبح عيداناً يابسة ذات لون عنابي داكن ساحر.
هنا يأتي دور والدتي -رحمها الله- التي كانت تدق تلك العيدان اليابسة وتطحنها طحناً ناعماً حتى تتحول إلى مسحوق وبودرة. ولكن الأعجب من ذلك كله، كان يكمن في تلك اللحظة التي تأخذ فيها والدتي بأطراف أصابعها -بين الإبهام والسبابة- “طرفة” أو رشة بسيطة من هذا المسحوق العنابي، وتنثرها بعناية في كأس اللبن لتقدمه لوالدي. كان والدي يشربه هو ووالدتي بكل استمتاع، وبالرغم من أنني لم أتذوقه يوماً أو أشربه، إلا أنني حين سألتهما عن فائدته، قالا لي ببياض نية وعفوية: “هو زين وكويس”.
وبالعودة لأصل هذا المسحوق، فقد كان سر الجدات قديماً في دباغة الجلود وتجهيز القرب؛ فالدباغ لا يقتصر دوره على تنظيف الجلد وتطهيره فحسب، بل يمنحه رائحة طيبة زكية ويحميه من التعفن والتحلل مع مرور الوقت.
لماذا كان الأجداد يتناولون “الدباغ”؟
العلم اليوم يفسر لنا ما كان يفعله الأجداد بالفطرة والخبرة المتوارثة. مادة الدباغ المستخلصة من نبات الأرطى تحتوي على مركبات “التانين” القوية، ولها فوائد مذهلة للجسم إذا استُخدمت بمقادير مقننة وبسيطة كشرط تلك “الرشة” الصغيرة:
• تطهير الجهاز الهضمي: يعمل كمضاد طبيعي للبكتيريا والطفيليات داخل المعدة والأمعاء.
• علاج مشاكل القولون: يُعرف بقدرته العالية على تهدئة التهابات القولون والمساعدة في حالات الإسهال المزمن.
• تقوية جدار المعدة: يساهم في شد وتقوية الغشاء المخاطي المبطن للمعدة، مما يحميها من القرحة والحموضة.
• الجمع بينه وبين اللبن: لم تكن إضافة الدباغ إلى اللبن عشوائية؛ فاللبن يلطف حدة الدباغ القابضة، مما يجعل امتصاص الفوائد أسهل وأكثر أماناً.
خاتمة
رحل أولئك الأجداد وبقيت حكمتهم وتفاصيلهم البسيطة حية في قلوبنا، وأمد الله في عمر والدي الذي لا يزال يربطنا بذلك الزمن الجميل. لم يدرسوا الطب في الجامعات، لكنهم امتلكوا حكمة الأرض وفطرة الصحراء، لتظل تلك “القرصة” العنابية المستخلصة من عيدان البر شاهداً على زمن كانت فيه البركة والشفاء والتدبير يسكنون أبسط الأشياء.
للتواصل : [email protected]



