حوار بين ذاكرة الجبل وزهرة المدن

✍️محمد آل مشافع – كاتب سعودي :
على قمم السروات حيث يعانق الضباب أعالي عسير وقفت شجرة العرعر العتيقة تُحادث الجاكرندا التي ازدانت شوارع المدينة بأزهارها البنفسجية.
قالت الجاكرندا وهي تتهادى مع النسيم:
أترين هذا الجمال الذي يلتف حولي كل ربيع؟
الناس يأتون من كل مكان يحملون الكاميرات والدهشة ويملؤون الطرقات إعجابًا بزهرٍ لا يعيش طويلًا ، لقد جئتُ من خارج الوطن ، لكنني استطعت أن أسرق الأنظار وأصبح لي موسم واحتفاء وفعالية ينتظرها الجميع.
ابتسمت شجرة العرعر ابتسامة الحكيم الذي أثقلته القرون وقالت:
لا ألومكِ يا جميلة اللون فالجمال الفاتن سريع الخطف للقلوب ، لكنني أتساءل أحيانًا:
كيف غفل الناس عني وأنا ابنة هذه الجبال منذ مئات السنين؟
أنا التي عاشت قبل الإسفلت والحدائق والفعاليات وحملت على أغصاني ذاكرة المكان وهوية الأرض ،
ثم هزّت أغصانها العتيقة وأضافت بحزنٍ خافت:
حتى الخبراء والباحثون لم يلتفت كثيرٌ منهم بعد إلى أسراري ، لم يكتشفوا حقًّا ما يختبئ في زيتي ولا ما تحمله أزهاري وأوراقي من خصائص وعجائب ، ينظرون إليّ كشجرة ظلٍّ أو منظر طبيعي، بينما في داخلي كنوز لم تُقرأ فصولها بعد.
ساد الصمت لحظة، قبل أن تقول الجاكرندا بصوتٍ أكثر هدوءً:
وأنا أيضًا يا صديقتي لم ينصفني الناس كما يظنون ، لقد أحبوا زهراتي قبل أن تتساقط، واحتفلوا بلوني البنفسجي لكنهم لم يسألوا يومًا عن بقية خصائصي، ولا عن حكايتي ولا عن قدرتي على التكيّف والعطاء ، كأننا نحن الأشجار نُختصر دائمًا في ما تراه العيون فقط.
تنهدت العرعر وقالت:
إذاً نحن نتشابه أكثر مما نظن ، أنتِ أسيرة الزهرة وأنا أسيرة الإهمال.
فمالت الجاكرندا نحوها احترامًا وقالت:
لكن الفرق بيننا يا شجرة الجبل أنكِ لستِ مجرد شجرة بل ذاكرة وطنٍ كاملة.
عندها مرّ الضباب بين أغصان العرعر كأنه يصفق لها ، فقالت بكل هدوء وكبرياء:
سيأتي يوم يكتشف فيه الناس أن عسير لم تكن جميلة بالبنفسجي وحده بل كانت شامخةً منذ الأزل بخضرة العرعر.
للتواصل : [email protected]



