العشر من ذي الحجة… سلامٌ لا يُفسَّر

✍️ د. عبدالرزاق آل سعد _ كاتب في الصحة النفسية و الاجتماعية :
هناك مواسم تمرّ على الإنسان وكأنها مجرد أيام في التقويم وهناك مواسم يشعر فيها أن شيئًا عميقًا يتحرّك داخله دون أن يعرف كيف يصفه.
والعشر من ذي الحجة من تلك الأيام التي لا تُفسَّر كثيرًا بالكلمات بل تُشعَر بالقلب.
في هذه الأيام، يهدأ الداخل بطريقة مختلفة.
ليس لأن الحياة أصبحت أسهل ولا لأن المشكلات اختفت فجأة بل لأن الروح تجد مساحة تتنفّس فيها بعيدًا عن ضجيج العالم.
التكبير، الدعاء، الصدقة، الصلاة ..كلها لا تبدو مجرد عبادات بل تبدو كأنها وسائل نفسية تعيد للإنسان اتزانه المفقود.
في علم النفس الإنسان يحتاج دائمًا إلى “المعنى” حتى يستطيع الاستمرار وحين يفقد هذا المعنى يشعر بالتشتت مهما امتلك من الأشياء.
ولهذا تأتي المواسم الإيمانية لتعيد ربط الإنسان بنفسه وبربّه وبالحياة من حوله.
في العشر من ذي الحجة يشعر كثير من الناس براحة لا يعرفون مصدرها بدقة وكأن القلب يقول: “ما زال هناك نور يمكن الوصول إليه” .
حتى العلاقات الاجتماعية تصبح أكثر دفئًا في هذه الأيام.
تكثر صلة الأرحام وتزداد الصدقات وتلين القلوب ويصبح الإنسان أكثر قدرة على التسامح والتقرّب من الآخرين.
فالروح حين تمتلئ بالسكينة تنعكس تلقائيًا على طريقة تعاملنا مع الناس.
العجيب أن السلام النفسي في هذه الأيام لا يأتي من الرفاهية أو الهروب من الضغوط بل يأتي من القرب من الله.
وهذا ما يجعل هذا السلام مختلفًا و سلامًا لا يُشترى ولا يُصنع ولا يُمثَّل.
إنه شعور داخلي عميق بأن الإنسان ليس وحده وأن الرحمة ما زالت قريبة مهما أثقلتنا الحياة.
العشر من ذي الحجة ليست مجرد موسم للعبادة فقط بل فرصة لترميم الداخل وإعادة ترتيب الفوضى النفسية التي تراكمت فينا بصمت.
وكأن الله يمنح الإنسان كل عام نافذة صغيرة للنجاة حتى لا يضيع تمامًا وسط قلق الحياة وتسارعها.
لهذا، لا يستغرب الإنسان ذلك الهدوء الذي يشعر به في هذه الأيام ولا تلك الدموع التي تأتي أثناء الدعاء ولا ذلك الشعور الخفيف الذي يمرّ على القلب بعد التكبير.
فبعض المشاعر الجميلة لا تحتاج تفسيراً بل يكفي أنها قادمة من الله عز وجل.
للتواصل : [email protected] .



