كتاب الرأي

ألف دينار وألف سوط!!

✍️أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي كَاتِبٌ صَحَفِيٌّ، وَمُذِيعٌ تَلْفَزِيُونِي :

> قصةٌ من التراث، لكن فيها دروسٌ وعبرٌ، يُحكى أن أميراً جاءه رجلٌ محتال يعرض عليه خدعةً بصرية متقنة، فأضحكته وأعجبته. فلما انتهى، أمر له الأمير بأمرين: ألف دينارٍ جائزةً على ذكائه وحذقه، وألف سوطٍ عقوبةً لأنه أضاع وقت الأمير ووقت الحاضرين في شيءٍ لا نفع فيه.

هي قصة قديمة، لكنها تلخّص مشهداً نعيشه كل يوم على شاشاتنا الصغيرة. افتح هاتفك الآن، وستجد عشرات من أصحاب المحتوى يملكون من الذكاء والحدس ما يجعلهم يخطفون انتباهك في أول ثلاث ثوانٍ. يعرفون كيف يبنون العنوان، وكيف يقطعون المقطع، وكيف يضعون المؤثرات التي ترفع الأدرينالين. موهبة حقيقية لا ينكرها أحد. لكن اسأل نفسك بعد دقيقتين: ماذا أخذت؟

لا شيء. مجرد ضحكة عابرة، ومعلومة مشوّهة، أو تحدٍّ سخيف انتهى كما بدأ. ذكاءٌ يُستنزف في صناعة “الخدعة البصرية” الرقمية، ووقتٌ يُسرق منك وأنت تظن أنك تستفيد أو تسترخي. المشكلة ليست في المهارة، بل في الوجهة. فبدل أن تُستخدم في تبسيط العلم، أو توثيق تجربة مفيدة، أو تحفيز القارئ على عملٍ منتج، تُصرف في مقاطع لا تترك أثراً إلا على عداد المشاهدات. وكأننا أمام نسخة عصرية من ذلك المحتال: ذكاءٌ حاضر، ونفعٌ غائب.

منصات التواصل لا تبيع لك المحتوى، بل تبيع انتباهك للمعلنين. وكل ثانية تقضيها في التمرير هي ربحٌ لهم، وخسارةٌ لك. الدراسات الحديثة تشير إلى أن متوسط زمن التركيز لدى المستخدم انخفض من 12 ثانية في عام 2000 إلى أقل من 8 ثوانٍ اليوم. السبب ليس كسلاً فطرياً، بل تدريباً يومياً على جرعات قصيرة من التحفيز السريع. هنا ينجح صاحب المحتوى التافه: هو لا يحتاج أن يكون عميقاً، يكفي أن يكون سريعاً ومبهراً. والنتيجة جمهورٌ مُدمن على “السكّر الرقمي”، يبحث عن الجرعة التالية قبل أن يهضم الأولى.

ومن السهل إلقاء اللوم كله على صانع المحتوى، لكن الحقيقة أن المتابع شريك في المسؤولية. خوارزمية المنصة تتعلم منك. ما توقفه عنده، وما تعيد مشاهدته، وما تشاركه، هو ما ستعود به إليك مضاعفاً. إذا صفقت للخدعة وضحكت ومضيت، فأنت تقول للخوارزمية: أعطني المزيد من هذا. وإذا توقفت عند مقطع طويل يشرح فكرة، أو تجربة، أو رأياً مختلفاً، فأنت تصوّت لمحتوى آخر. المعادلة بسيطة: ما تُكافئه بالوقت يتكاثر، وما تعاقبه بالتجاهل يختفي.

ولا يعني هذا دعوةً لمحاربة الضحك والترويح عن النفس. فالنفس تملّ وتحتاج إلى راحة. لكن الفرق بين الترفيه المفيد والترفيه المُلهي هو الأثر الباقي. الفيديو الذي يضحك ويعلمك قاعدة لغوية واحدة أفضل من عشرة مقاطع لا تذكر منها شيئاً بعد ساعة. المقطع الخفيف الذي يعرّفك على كتاب يستحق القراءة أنفع من مقطع استعراضي لا يضيف لوعيك شيئاً. المقياس ليس الجدية، بل القيمة. حتى المزاح يمكن أن يكون ذكياً ونافعاً، كما كان المُلَح في مجالس العرب.

الفرق بين الرجل المحتال وبين بعض صُنّاع المحتوى اليوم أن الأول وُقِف أمام أميرٍ يعرف قيمة الوقت فحاسبه. أما الثاني فيخاطب جمهوراً مشتاً، لا يملك إلا خيار التمرير إلى المقطع التالي. فيستمر الإلهاء، وتتحول المتابعة إلى عادة، ويصبح تضييع الوقت مبرراً باسم “الترفيه”. والنتيجة أننا صرنا أمام جيلٍ من الموهوبين يُتقنون فن الإبهار، لكنهم فاشلون في فن الأثر. يعطونك بريقاً لحظياً، ويسلبون منك تركيزك ويومك بلا أن تشعر.

لكن المفارقة أن نفس الذكاء الذي يُهدر في الإلهاء، قادر أن يبني لو وُجّه. فلو وظّف هؤلاء طاقاتهم فيما ينفع ويبني، لا يهدم، لتحولت مقاطعهم من سكرٍ رقمي إلى أدوات معرفة وتغيير. وماذا لو تبنّتهم جهاتٌ إعلامية وتعليمية وتقنية لاستثمار طاقاتهم الذهنية وتوجيهها نحو البناء؟ حينها تتحول “ألف دينار” من مكافأة على الخدعة، إلى استثمار في عقول تصنع فرقاً. وحينها فقط، ينجو الأمير من مضيعة الوقت، ويكسب معه صانع المحتوى والمتابع والمجتمع كله.

سؤال الأمير يصلح أن يكون معياراً لكل من ينشر ويتابع: هل ما أقوله يستحق وقت الناس؟ وهل ما أشاهده يستحق وقتي؟ إذا كانت الإجابة لا، فالموقف واضح. ألف دينارٍ للذكاء، وألف سوطٍ لتضييع الوقت. والفرق بين العصرين أن السوط اليوم ليس جلداً، بل عمرٌ يمضي، وتركيزٌ يتبدد، وعقلٌ يعتاد السطحية. فاختر محتواك كما تختار طعامك، فكما أن الجسد يمرض بالوجبات السريعة، يمرض العقل بالمحتوى السريع الفارغ.

للتواصل :[email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى