كتاب الرأي

حفظ اللسان وصيانة أعراض الناس

        ✍️هناء الهجاري – كاتبة سعودية :

من أعظم الأخلاق التي دعا إليها الإسلام حفظ اللسان، لأن الكلمة قد ترفع صاحبها درجات، وقد تهوي به في المهالك. ومن أخطر ما انتشر بين بعض الناس التدخل في شؤون الآخرين، وتتبع أخبارهم، والخوض في أعراضهم، ونقل الكلام بينهم، حتى أصبحت المجالس تمتلئ بالغيبة والنميمة وإشعال الفتن بين أفراد المجتمع.

إن الحديث في أعراض الناس ليس أمرًا هيّنًا، بل هو ذنب عظيم يجرح القلوب ويفسد العلاقات ويهدم الثقة بين الناس. وقد شبّه الله الغيبة بأمر تنفر منه النفوس، فقال سبحانه:

﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾
سورة الحجرات: 12

فما أعظم هذا التشبيه الذي يوضح قبح الغيبة والكلام في الناس بغير حق، سواء كان ذلك بالسخرية، أو التشويه، أو كشف العيوب، أو نشر الأسرار.

كما حذر النبي ﷺ من خطورة الكلمة وآثارها، فقال:
«إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يُلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم»
رواه البخاري.

ومن صور الأذى المنتشرة أيضًا النميمة، وهي نقل الكلام بين الناس بقصد الإفساد وإشعال الخلافات، وقد قال النبي ﷺ:
«لا يدخل الجنة نمّام»
رواه البخاري ومسلم.

ولم يقتصر الأمر على نقل الكلام فقط، بل تعداه إلى التجسس وتتبع خصوصيات الآخرين والتدخل فيما لا يعني الإنسان، وكأن البعض انشغل بعيوب الناس وترك عيوب نفسه. وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى المنهج الصحيح فقال:
«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»
رواه الترمذي.

إن من يتكلم في أعراض الناس قد يظن أن الأمر مجرد حديث عابر، لكنه عند الله عظيم، لأن الأعراض لها حرمة كبيرة في الإسلام. قال النبي ﷺ في خطبة الوداع:
«إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام»
رواه البخاري ومسلم.

فالمؤمن الحقيقي هو من يحفظ لسانه، ويصون كرامة الناس، ويبتعد عن مجالس الغيبة والفتن، ويجعل كلامه طيبًا نافعًا. فكم من كلمة فرّقت بين الأحبة، وكم من إشاعة أفسدت البيوت والعلاقات، وكم من شخص خسر احترام الناس بسبب تدخله وكثرة حديثه عن الآخرين.

وفي زمن أصبحت فيه الأخبار تنتشر بسرعة عبر المجالس ووسائل التواصل، أصبح الواجب أعظم في التثبت، وحفظ الألسنة، وعدم نشر ما يؤذي الناس أو يمس كرامتهم. قال تعالى:

﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾
سورة ق: 18

فلنحرص على أن تكون كلماتنا سببًا في الإصلاح والمحبة، لا في الفتنة والأذى، وأن ننشغل بإصلاح أنفسنا قبل تتبع عيوب الآخرين، فذلك أزكى للقلوب وأعظم أجرًا عند الله

‏للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

‫5 تعليقات

  1. مقال أكثر من رائع يحمل رسالة هادفة ومهمة فحفظ اللسان من أسمى الأخلاق وأعظمها أثراً في حياة الإنسان والمجتمع.
    طرح مميز وأسلوب راقٍ يعكس الوعي والثقافة، كل الشكر والتقدير للأستاذة هناء الهجاري على هذا المقال الهادف والمحتوى القيّم، مع تمنياتي لك بدوام التألق والإبداع

    1. أشكرك -أستاذ وهيب :على كلماتكم الطيبة وثقتكم الكريمة وهذا محل اعتزاز وتقدير لي نسأل الله التوفيق والسداد في تقديم كل ماهو يخدم الكلمة الهادفة والعمل الإعلامي الهادف

      1. أشكرك على كلماتك أ: عبد الخالق التي أسعدتني وأضافة إلى المقال معنى اعمق كل التقدير لك 🙏🏻

  2. نادر أن أصل إلى نهاية مقال، وأشعر أن الصمت بعده أبلغ من أي تعليق.
    لكن هذا النص لم يكن مجرد كلمات تُقرأ، بل كان صفعة وعي هادئة على قلب كل شخص استهان يوماً بأثر لسانه.

    العمق الذي كُتب به المقال، والطريقة التي انتقل فيها المعنى من الحرف إلى الشعور مباشرة، أمر لا يُتقنه إلا قلم يكتب بصدق حقيقي وإدراك عال لقيمة الكلمة.
    شعرت وكأن كل سطر يحمل مسؤولية، وكل عبارة كُتبت بضمير حي لا يبحث عن البلاغة بقدر ما يبحث عن الأثر.

    هذا النوع من الكتابة لا يُعجب القارئ فقط، بل يُغير شيئاً بداخله، ولو قليلاً.
    كل الاحترام لقلم يملك هذا القدر من الوعي والهيبة والجمال.

    1. أشكرك على كلماتك أ: عبد الخالق التي أسعدتني وإضافة إلى المقال معنى اعمق كل التقدير لك 🙏🏻

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى