حين يتحول الدعم إلى معاناة… من يحمي الضعفاء من سوء الإدارة؟

✍️ فاطمة الغامدي – كاتبة سعودية :
من أعظم ما تفخر به
هذه البلاد المباركة أنها قامت على مبدأ العدل، ومدّت يد العون لكل محتاج، ولم تدّخر الدولة — حفظها الله — جهداً في دعم الفئات الغالية على المجتمع؛ من الأيتام، وذوي الإعاقة، والأسر المتضررة، وكبار السن، وغيرهم ممن هم أولى الناس بالرعاية والاهتمام.
لقد سخّرت القيادة الرشيدة الإمكانات، وأطلقت المبادرات، ووفرت الميزانيات، إيماناً بأن كرامة الإنسان أولاً، وأن المجتمع القوي يُقاس بمدى عنايته بأضعف فئاته.
لكن المؤلم حقاً أن بعض صور المعاناة اليوم لم تعد بسبب غياب الدعم، بل بسبب من يتولى مسؤولية هذا الدعم دون أمانة أو كفاءة.
فهناك فرق كبير بين أن تُمنح الثقة لمن يحمل قلباً حياً ورسالة إنسانية، وبين أن تُسلَّم المسؤولية لمن يرى العمل الإنساني مجرد منصب أو وجاهة أو مكسب شخصي.
حين يغيب الضمير، تتحول بعض الجمعيات من أبواب رحمة إلى أبواب معاناة، ويصبح المحتاج أسيراً للبيروقراطية، أو المزاجية، أو سوء الإدارة، أو حتى الإهمال المؤلم.
كم من يتيم ينتظر حقه فلا يصله كاملاً؟
وكم من شخص من ذوي الإعاقة أُرهق بطلبات لا تنتهي؟
وكم من أسرة متضررة اصطدمت بوعود لا تُنفذ ومعاملة تفتقد لأبسط معاني الإنسانية؟
المأساة الحقيقية ليست في نقص الموارد، بل في ضياع الأمانة.
إن العمل الإنساني ليس مشروعاً إدارياً عادياً، بل مسؤولية أخلاقية ودينية ووطنية عظيمة. ومن يتصدر لخدمة الضعفاء يجب أن يكون على قدر هذه المسؤولية علماً وأخلاقاً ورحمةً وعدلاً. لأن الخطأ هنا لا يُقاس بالأرقام، بل بدمعة يتيم، وألم مريض، وقهر محتاج لا يملك صوتاً يدافع به عن نفسه.
ومن هنا، فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى تكثيف الرقابة على بعض الجمعيات والجهات الخيرية، ومراجعة أداء القائمين عليها، والتأكد من كفاءتهم ونزاهتهم، وفتح قنوات حقيقية لاستقبال شكاوى المستفيدين دون خوف أو تعقيد.
فالرقابة ليست تشكيكاً، بل حماية للرسالة الإنسانية، وحفظٌ لثقة المجتمع، وضمان لوصول الدعم إلى مستحقيه بعدل وكرامة.
كما أن المحاسبة العادلة ضرورة لا يمكن التهاون فيها، لأن المتضرر في النهاية ليس رقماً في ملف، بل إنسان قد تكون تلك المساعدة آخر ما تبقى له من أمل.
إن الدولة — أيدها الله — وضعت الأساس المتين للدعم والرعاية، ويبقى الدور على من يحملون هذه الأمانة أن يكونوا بمستوى الثقة، وأن يدركوا أن خدمة المحتاج شرف عظيم لا يستحقه إلا أصحاب القلوب الرحيمة والنفوس النزيهة.
الضعفاء لا يحتاجون شعارات، بل عدالة.
ولا ينتظرون كلمات التعاطف، بل مسؤولين يخافون الله فيهم.
فكل حق يتأخر، وكل محتاج يُهمل، وكل يتيم يُظلم… هو جرح في ضمير المجتمع كله . من قهر سيُقهر، ومن ضرّ سيُضر، ومن ظلمَ سيُظلم، فإن الله يُمهِل ولا يُهمِل”.
للتواصل : [email protected]



