منبر الجمعة وحراسة الوعي.. الشراكة الاستراتيجية بين المؤسسة والإنسان

✍️ محمد شايع الشايع – كاتب سعودي:
جاء إعلان معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد بتخصيص خطبة الجمعة للحديث عن برامج التواصل وضرورة تقنين الاستخدام، ليؤكد أن مؤسساتنا الدينية والوطنية لا تقف بمعزل عن قضايا العصر، بل هي في قلب معركة الوعي. إن هذا التوجيه ليس مجرد وعظ عابر، بل هو استشعار للأمانة الملقاة على عاتق الفرد، تجاه وطنه ومجتمعه في فضاء رقمي بات يموج بالمتغيرات.
تحول في فلسفة العلاقة في خضم التحولات الكبرى التي يعيشها العالم المعاصر، لم تعد العلاقة التي تربط المؤسسات الرسمية وقياداتها بالمجتمع مجرد علاقة إدارية نمطية تحكمها اللوائح، بل تطورت لتصبح شراكة استراتيجية واعية تتغذى على الثقة المتبادلة، وتستند إلى وضوح الرؤية واستقرار الوعي العام. هذه العلاقة لا تُصاغ بالقرارات الفوقية فحسب، بل تُصان بالشفافية المطلقة، وتُحمى بنضج المجتمع وقدرته الفائقة على تمييز الحقائق من الزيف.
أن هذا التوازن المتين يواجه أحياناً محاولات عبثية من قِبل “أجندات موجهة” وأصوات مارقة، تعمد إلى اتخاذ الإشاعة سلاحاً، وصناعة الروايات المفبركة بأساليب تحريضية تستهدف خلخلة السلم الاجتماعي، وتفكيك النسيج الأسري، واختلاق فجوات وهمية بين المؤسسة والمواطن. إن هذه الممارسات لا تقتات على الحقائق، بل تراهن على توظيف أنصاف المعلومات، واستثارة العواطف العابرة، ومحاولة اختطاف الوعي الجمعي وتوجيهه نحو مسارات الفوضى.
من هنا تبرز الضرورة القصوى لتجذير ثقافة “الفحص قبل التلقي”، ومرجعية التثبت قبل الاستجابة. إن الوعي الحديث يحتم علينا إدراك أن “الفضاء الرقمي” بات ساحة مفتوحة، حيث يفتح الاندفاع خلف الأطروحات السطحية ثغرات تتسلل منها الخزعبلات التي تغرر بالعواطف وتتستر خلف المصادر المجهولة، مما يمنحها شرعية زائفة لا تلبث أن تتبدد أمام شمس الوعي الحقيقي.
إن معركة الوعي اليوم هي مسؤولية تضامنية وتكاملية، تبدأ من “الحصانة الذاتية” للفرد، وتمر عبر الدور التربوي للأسرة، وصولاً إلى الدور الاستراتيجي للمؤسسات في التوعية واستباق الشائعة بالإيضاح. فكلما تعاظمت مستويات الإدراك المجتمعي، انحسرت بالضرورة مساحات التأثير لتلك القوى العابثة، وتحولت محاولاتها إلى سعيٍ عديم الأثر.
إن ترسيخ جسور الثقة بين الوزارة وقيادتها والجمهور يتطلب خطاباً يتسم بـ “التواصل الفعّال”، خطاباً يغلق منافذ التأويل، ويقطع الطريق على التأزيم. فالحقيقة هي الترياق الوحيد للإشاعة، وبقدر ما يحضر التدفق المعلوماتي الدقيق، يتراجع الضجيج المفتعل. وتأتي خطبة الجمعة كإحدى أهم نوافذ هذا الخطاب الصادق الذي يربط القيم الشرعية بالمسؤولية الوطنية تجاه المجتمع وقيمه، والوطن ومقدراته.
ختاماً على الجميع التثبت قبل القول، ليظل تفعيل الوعي هو خط الدفاع الأول، والعقل هو الضمانة الكبرى لاستقرار الأوطان، إن المجتمع الذي يُتقن مهارات التحليل، ويستوعب السياقات الوطنية الكبرى، لا يمكن أن يكون ساحةً لهواة العبث، بل يظل شريكاً أصيلاً في البناء، وحارساً أميناً لمكتسبات وحدته واستقراره، مُثمنين أدوار العلم والقيادة، ومنتمين لهذا الوطن حباً وكرامة.
للتواصل : [email protected]



