كتاب الرأي

عندما نعيش هاجس الخوف من الموت!!

✍️أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي كَاتِبٌ صَحَفِيٌّ، وَمُذِيعٌ تَلْفَزِيُونِي :

نعيش اليوم هاجس الخوف من الموت، فيحرص كثيرون على الأخذ بالاحتياطات الطبية، وانتقاء الغذاء والشراب بعناية فائقة، وتجنب كل ما يعرض أجسادهم للأمراض، حتى لو أدى الأمر إلى قص المعدة، أو اتباع حمية قاسية، أو التزام بروتوكولات وقائية وعلاجية ونفسية مرهقة. هاجس البقاء الجسدي صار شغلنا الشاغل، ننفق له المال والوقت والجهد.

ولكن، ماذا عن موت آخر لا يرى؟ موت العلاقات الإنسانية وتفكك النسيج الاجتماعي الذي هو روح الجسد الواحد؟

إننا نحكم إغلاق نوافذ بيوتنا خوفا من فيروس عابر، وننسى أن نفتح نوافذ قلوبنا للبر والصلة. نحرص على تعقيم أيدينا في اليوم عشرات المرات، ونغفل عن تعقيم ألسنتنا من الغيبة والنميمة والبغضاء. نهرع إلى الطبيب عند أول وخزة في الصدر، ونتجاهل الوخزات التي نحدثها في صدور إخواننا بكلمة جارحة، أو قطيعة طويلة، أو موقف خذلان.

أين حرصنا على مد جسور الأخوة والمحبة والتعاون والتآلف؟ متى صارت صحة العلاقات أقل أهمية من صحة الأبدان؟ لقد قال نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». فهل نحن اليوم كالجسد الواحد حقا؟

إن الوقاية من أمراض القلوب لا تقل أهمية عن الوقاية من أمراض الأبدان. فكما نتبع حمية غذائية، نحتاج إلى حمية أخلاقية نتجنب فيها كل ما يدعو إلى الفرقة والشحناء. وكما نجري فحوصا دورية لأجسادنا، نحتاج إلى مراجعة دورية لعلاقاتنا: من قطعناه نصله، ومن ظلمناه نسترضيه، ومن أخطأنا في حقه نعتذر إليه.

إن نبذ الشحناء والبغضاء ليس ضعفا، بل هو قمة القوة ومناعة اجتماعية تحصن المجتمع من التصدع. وتجفيف منابع الكراهية يبدأ بكلمة طيبة، وابتسامة صادقة، وعفو عند المقدرة، وتغافل عن الزلات. هذه هي المضادات الحيوية التي تحمي روح المجتمع.

فلنعمل على أن نكون مجتمعا مترابطا جسدا وروحا، نحمي أبداننا بالطب، ونحمي أرواحنا وعلاقاتنا بالأخلاق الحسنة. نتداوى بالدواء إذا مرضت أجسادنا، ونتداوى بالتسامح والتغافل وصلة الرحم إذا مرضت علاقاتنا.

فما قيمة جسد سليم يسكنه قلب ميت قطع كل حبال الود؟ وما نفع عمر طويل نقضيه في عزلة ووحشة وجفاء؟

إن الحياة الحقيقية ليست فقط في نبض القلب، بل في نبض المحبة بين الناس. فحتى لا تموت القلوب، تعالوا نضع بروتوكولا إنسانيا: جرعة يومية من التواصل، وحمية صارمة عن القطيعة، وحجرا صحيا على الكراهية.

للتواصل :[email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى