كتاب الرأي

قصة البطل الذي هزم اليأس في محراب الوطن

✍️ أ د .محمد شايع الشايع – كاتب سعودي: 

في مِحراب الوطن، حيث يمتزجُ عطرُ الشيحِ برائحةِ البارود، لم تكن الحربُ لـ محمد مفرج المالكي مجرد ميدانٍ لأداءِ الواجب، بل كانت صلاةً طويلةً في حبِّ الأرض، وترتيلاً لعهدٍ وثيقٍ نطق به أمام الراحلِ الكبير الأمير سلطان بن عبدالعزيز، عهدٌ لم يكن حبراً على ورق، بل نُقشَ بالدمِ واليقين. لقد وهبَ محمد جسدَه للثغور، فكان في وجه الإرهاب صخرةً صلبةً لا تلين، تلقى فيها طعنات الغدرِ مِراراً، ليعود في كل مرةٍ أصلب عوداً، حتى كانت المواجهة الكبرى على حدود الشرف ضد ميليشيات الحوثي، هناك حيث انهمرت نيران الحقد لتصيب رأسه، وتفتح في حياته فصلاً من الوجع والشموخ، أرادت فيه الحربُ أن تطوي صفحة هذا الفارس تحت وطأة العجزِ والصمت، لكنها لم تكن تعلم أن في صدره قلباً لا يؤمن بالنهايات.

استيقظ محمد ليجدَ نفسَه في زنزانةٍ من السكونِ المُطبق، حيث سلبته الإصابةُ حاسة السمع، وشطرت جسده إلى نصفين، نصفٌ عالقٌ في ذاكرة الانفجار، ونصفٌ يصارعُ للبقاء. حين عاد إلى مزرعته محمولاً على كرسيٍّ متحرك، كان الصمتُ حوله أعلى من صرير القذائف، وكانت نظراتُ أشجار اللوزيات والبن والحمضيات والتين والرمان ذات اللون الأخضر، تتطاول في سيقانها العاليةِ تكسرُ قلبَه، فهي التي اعتادت أن تراه شامخاً لا ينحني إلا لله. في تلك اللحظات الوجدانية القاسية، وبينما كان الجسد يميلُ للقعود، استحضرت روحه شعاره الخالد، ووصيته التي يحملها بين ضلوعه، بيت الأمير خالد الفيصل الذي صار له دستوراً وحياة:

لو ما بقى بالعمر إلا ضحى شمس… فديت به ديني وداري وأهلها

لم تكن هذه الكلمات مجرد شعرٍ يُقال، بل كانت النبض الذي أعاد الحياة لعروقه، والوقود الذي أحرق به قيود الكرسي المتحرك، ليقوم من جديد فادياً دينه وداراه بما تبقى من ضحى عمره.

لم يكن نهوض محمد مجرد عودةٍ للمشي، بل كان معراجاً نحو القمم، فهذا البطل الذي واجه الإرهاب والحوثيين وفقد سمعه في الميدان، فتح الله له بصيرته ليسمع تسبيح الجبال، فأصبح مرشداً سياحيّاً يقود التائهين نحو الأعالي، وكأنه يهمس في أرواحهم إن الجبل الذي أمامكم أهون بكثير من اليأس الذي يسكن صدوركم، وبذات اليد التي قبضت على الزناد ذوداً عن حياض الوطن، انخرط في العمل التطوعي كفارسٍ في فرق الإنقاذ، ينتشل الأرواح من الخطر، تماماً كما انتشل نفسه من براثن الانكسار. اليوم، يقرأ محمد قصته كمعجزةٍ تمشي على قدمين، بطلاً لم ينهزم في الحرب ولم يستسلم في السلم، ليبقى واقفاً كالنخلة السعودية الأصيلة في شعار وطنها، شاهداً على أن البطولة لا تنتهي برصاصة، بل تبدأ حين يقرر الإنسان أن يفتدي وطنه بكل ما يملك، حتى لو لم يبقَ في العمر إلا ضحى شمس.

وهكذا معا عشنا تراجيديا الحرب والاصابة والقسوة ليفتح فارسما الملهم ديوان المجد للحالمين والمحبطين من حالهم؛ فقصته لم تكن مجرد سيرة جندي نجا من الموت، بل هي بيانٌ وطنيٌّ يُتلى على مسامع الأجيال. إن الدرس العظيم الذي يتركه أبو جاسم في محراب الوطن، هو أن الإعاقة الحقيقية ليست في جسدٍ تقيدهُ الجراح، بل في روحٍ يكسرها التشاؤم. لقد أثبت هذا البطل أن الجندي السعودي لا يتقاعد عن حب أرضه، فإذا منعه الجرح من حمل السلاح ذوداً عن الحدود، حمل عصا الإرشاد ليدلّ الناس على جمال الوجود، وإذا صمتت في أذنيه أصوات البشر، فقد استنطق بوفائه صمّ الجبال. خلاصة القول القصة التي يسطرها بدمه وعرقه تقول إن الأوطان لا تُبنى فقط بطلقات المدافع في الميادين، بل تُبنى بإرادة العائدين من الموت، الذين يرفضون أن يكونوا عبئاً على ترابٍ افتدوه بدمائهم. فما دام في الصدر نَفَس، وفي العمر ‘ضحى شمس’، فالعطاء مستمر، والعهد باقٍ، والقامَةُ ستبقى شامخةً كجبال البثرة، لا تنحني إلا لبارئها، تحيةُ إجلالٍ لـ “أبو جاسم”… الفارس الذي علّمنا أن النصر ليس في كسب المعركة فحسب، بل في الوقوف مجدداً بعد كل انكسار، لتظل راية التوحيد خفاقة، ليس فوق الأرض فقط، بل في أعالي الهمم.

للتواصل:[email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى